والمعنى: الذي يقصدونه إله واحد تنبيهاً أنكم لستم كالكفار الذين يعبدون آلهة من الأصنام والشيطان والهوى وغير ذلك.
إن قيل: ما فائدة الجمع بين وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ وبين لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وأحدهما يبنى على الآخر؟
قيل: لما بين بقوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ أنه المقصود بالعبادة أو المستحق لها، وكان يجوز أن يتوهم أن يوجد إله غيره ولكن لا يعبد أولا يستحق العبادة أكده بقوله: (لأ إله إلاً هو)، وحق لهذا المعنى أن يكون مؤكدا ويكرر عليه الألفاظ [الملخصة]، إذ هو مبدأ مقصود العبادة ومنتهاه.
قوله عز وجل:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
الآية (١٦٤) - سورة البقرة.
اختلاف الليل والنهار: أن يخلف كل واحد منهما الأخر، كقوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً، وقوله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وقوله: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، والفلك: السفينة المدورة، وبه شبه فلك السماء، ولذلك استعمل فيه السباحة وفلكة المغزل، وفلكت الجارية صار ثديها كفلكة، وفلكت الجدي: وضعت فلكه على لسانه يمنعه عن الرضاع، والفلك يقال للواحد والجمع، وذلك أنه يقال للواحد فلك، وفلك نحو: نُخل ونَخْلٍ وعُربٍ وعَرّب، وعُجْمِ وعَجَم، ومن قال: فلك يجمعه على فلك نحو أسَدٍ وأُسْدٍ فتداخل الواحد والجمع من لغتين، والبث إظهار
ما كان خفياً عن الحاسة هما كان أو غيره، والدبيب أصله حكاية صوب المشي، ثم قيل: دب إذا مشى، ويقال لكل ما يمشي دابة، وتم خص بالفرس، والدب خص بضرب من السباع، وأن الدبة والدبدبة فاعتبارا بصوتهما، والتصريف: صرف الشيء من وجه إلى وجه، وصريف الباب منه، لكن اعتبر فيه الصوت، فبني بناء الأصوات كالنهيق والشهيق وغير صارف تصرف الفحل إلى نفسها بإظهار شبقها، والصرف والصريف المصروف عن الكدورة، لكن خص الصريف باللبن والصرْف بسائر الأشربة، وقوله: (وتصريف الرياح) يجوز أن يكون تقديره: تصريف الله الرياح، وأضيف إلى المفعول، وتصريف الرياح والسحاب، فيكون مضافاً إلى الفاعل والسحب جر الثوب، والسحابة هو لما تجره الريح، والتسخير القهر علي الفعل وهو أبلغ من الإكراه، فإنه حمل الغير علي الفعل بلا إرادة منه على وجه كامل الرحى على الطحن،
إن قيل: لم جمع السماء وأفرد الأرض في كل القرآن؟
قيل: لأن السماوات لما كانت في الحقيقة سبعاً وطبائعها مختلفة على ما ذكر أصحاب هذه الصناعة، وكل واحدة مستمدة القوة مما فوقها ومعطية ما دونها، والأرض وإن كانت سبعاً، فليس على ذلك الوجه، لأنها بالأقاليم لا بالطبقات المتراكمة تراكب السماء وطبيعتها واحدها، ولهذا قال: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ فترك اللفظ مفرداَ، ونبه بمثلهن على العدل الذي يعد به الأقاليم، وإنما ذكر هاهنا لفظ الخلق، لأنه مشتمل علي الإبداع والصنع والتسخير، وخص فعل الله تعالى بذلك لكونه موضوعا للتقدير المقتضي للأحكام، وهو تعالى أحد الحاكمين، ونبه تعالي على وحدانيته بالتفكر في الموجودات وذكر من آياته مالا يخفى أمر صنعته على ذوي الحواس والعقول ليستدل به كل على قدر فهمه ويقف منه على معارف بمبلغ علمه.
إن قيل: كان الوجه أن يعقد ذكر السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار بتصريف الرياح والسحاب التي هي من آثار الجو ومختصة بفعل الله- عز وجل-، ثم يعرج على ذلك الفلك التي هي
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار