١٦٤- قوله تعالى : إن في خلق السماوات والأرض الآية |البقرة : ١٦٤|.
فيه بيان توحيده في أفعاله، وأمر لنا بالاستدلال بها ردا على من نفى حجج العقول، وهو طريق أهل السنة قديما، ومن الاستدلال على وجود الصانع بحدوث الأجسام والجواهر والأعراض١.
وقوله : والفلك التي تجري في البحر الآية |البقرة : ١٢٤| فيه دليل على إباحة ركوب البحر تاجرا أو غازيا وطالبا صنوف المآرب. وقال في موضع آخر : هو الذي يسيركم في البر والبحر |يونس : ٢٢| وقال في موضع آخر : ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله |الإسراء : ٦٦| فقد انتظم مما ذكر التجارة وغيرها٢. كقوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض |الجمعة : ١٠| ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم |البقرة : ١٩٨| وقد منع عمر –رضي الله عنه- من ركوبه فلم يركبه أحد طول حياته، وكذلك منعه أيضا عمر بن عبد العزيز. وقد أسقط الشافعي في أحد قوليه فرض الحج على من طريقه إليه على البحر. وروي عن مالك مثله. والذي عليه الجمهور خلاف هذا وظاهر الآيات المذكورة يعضد ما ذهبوا إليه٣، وكذلك قوله –عليه الصلاة والسلام- في حديث أم حرام بنت ملحان : " عجبت من قوم من أمتي يركبون البحر كالملوك على الأسرة " الحديث٤.
وقوله تعالى وما أنزل الله من السماء من ماء |البقرة : ١٦٤| يدل على أن الماء كله إنما هو في٥ السماء. وقوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض |الزمر : ٢١| وقال : وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض |المؤمنون : ١٨| وهذا كله يرد على من يعتقد أن ماء السحاب إنما هو من البحر ولا حجة في قوله –عليه السلام- : " إذا نشأت بحرية، ثم تشاءمت فتلك عين غديقة " ٦ لأن قوله -عليه السلام- : " بحرية " يحتمل أن يريد من ناحية البحر، وكذلك قول أبي ذؤيب يصف السحاب :
| شربن بماء البحر ثم ترفعت | متى٧ لجج خضر لهن نئيج |
٢ المصدر السابق ١/٣١، ٣٢ وأحكام القرآن للجصاص ١/١٣١..
٣ يراجع أحكام القرآن للجصاص ١/١٣١ وكلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢/٧٧ و٧٧..
٤ أخرجه عن أنس البخاري في الجهاد ٢٨٧٧، ٢٨٧٨ ومسلم في الإمارة ١٩١٢..
٥ في ب "من"..
٦ هذا من الأحاديث الأربعة التي لم توجد موصولة في "الموطأ" الصلاة ١/٢٦٧/٥١٧ قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٤/٣٧٧: "هذا الحديث لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير الموطأ إلا ما ذكره الشافعي..." ثم ذكره عنه وضعف سنده فيراجع كلامه..
٧ في أ "لها". ومتى عند الهذليين بمعنى "من" و "وسط" كذا قال ابن جني، وبه يتضح المعنى في البيت.
٨ في ب "ممن"..
أحكام القرآن
ابن الفرس