وأخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الصخر قال : لما نزلت : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ تعجب المشركون وقالوا إلها واحدا فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وما فيها من الشمس والقمر والكواكب وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق جيد موصول عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا نتقوى به على عدونا فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم إني معطيهم ولكن إن كفروا بعد ذلك عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال رب دعني وقومي فأدعوهم يوما بيوم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يعني أنهم كيف يسألون الصفا ذهبا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم منه في الوجود ومثله في الإمكان والأرض وما فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر وأنواع النباتات والحيوانات واختلاف التأثيرات والأقطار والأقاليم، وإنما جميع السماوات وأفراد الأرض لأن تعدد السماوات كان مقررا عند المخاطبين بناء على مشاهدتهم تعدد حركات الكوكب بخلاف الأرض فإن تعددها لم يثبت إلا بالشرع والاستدلال إنما هو بما هو معلوم عندهم، وقيل : لأن السماوات مختلفة بالحقية بخلاف الأرضين فإن كلها من جنس واحد وهو التراب، وقيل لأن طبقات السماوات متفاصلة بخلاف الأٍرضين وهذا ليس بشيء فإن الثابت بالسنة كون كل واحد من السموات والأرضين متفاصلة كما روينا الأحاديث سابقا في تفسير قوله تعالى : فسواهن سبع سموات واختلاف اليل والنهار أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء وقصر الليالي وطول الأيام وطول الأيام في الصيف وعكسها في الشتاء وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ كيف سخرها الله تعالى لكم تحمل الأثقال ولا ترسب في البحر والفلك واحده وجمعه سواء فإذا أريد به الجمع وتؤنث صفته وإذا أٍريد به المفرد يذكر نحو : أبق إلى الفلك المشحون كنتم في الفلك وجرين بهم و تجري في البحر بما ينفع الناس أي ينفعهم أو بالذي ينفعهم من الركوب عليها والحمل فيها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب وما أنزل الله من السماء من ماء من الأولى للابتداء والثانية للبيان فأحيا به الأرض بالنبات بعد موتها يبسها وجذوبتها وبث أي نشر فيها من كل دابة صيغرة لا يكاد يبصر وكبيرة لا تصور تسخيرها إلا بحول الله وقوته عطف على أنزل أو على أحيا فإن الدواب ينمون من الخصب ويعيشون بالماء وتصريف الرياح إلى المشرق والمغرب والجنوب والشمال مفيدة ومضرة، لينة وعاصفة، حارة وباردة، اعلم أن الريح كلما وقع في القرآن المعرف باللام اختلف القراء في جمعها وإفرادا إلا في الذاريات الرح العقيم فإنهم اتفقوا على الإفراد وإلا في الحرف الأول من سورة الروم الرياح مبشرات فإنهم أجمعوا على جمعها فقرأ حمزة والكسائي وتصريف الرياح هنا وفي الكهف والجاثية والأعراف والنمل والثاني من الروم وفاطر بالإفراد وتابعهم ابن كثير في الأربعة الأخيرة، وقرأ ابن كثير في الفرقان وحمزة والباقون بالإفراد، وقرأ أبو جعفر كل ما ذكر على الجمع جميعا وكل ريح في القرآن منكر فهو بالإفراد إجماعا والله أعلم والسحاب المسخر بين السماء والأرض لا نزل ولا ينقشع مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله وأيضا هو مسخر في الجو يقلبه الله حيث يشاء، قال ابن وهب : ثلاثة لا يدرى من أين يجيء الرعد والبرق والسحاب لآيات لقوم يعقلون يتفكرون فيها وينظرون إلى أنها أمور حادثة ممكنة في ذواتها لا يقتضي ذواتها وجوداتها ولا شيئا من آثارها موجودة على وجوه مخصوصة من وجوه كثيرة كلها محتملة فلا محالة من وجود صانع يقتضي ذاته وجوده حي عليم حكيم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد متصف بصفات الكمال منزه عن النقص والزوال متعال عن مماثل ومعارض، إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه لزم إما اجتماع المؤثرين على أثر واحد بالشخص وهو محال أو عجز أحدهما أو التمانع الموجب للفساد، وينظرون إلى ما في تلك المخلوقات من آثار رحمة الله تعالى فيعرفون أنه تعالى هو المستحق للعبادة و الشكر دون غيره أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ثم قال :«ويل لمن قرأ ولم يتفكر فيها » وقيل للأوزاعي فما غاية التفكر فيهن ؟ قال : يقرأ وهو يعقلهن، والله أعلم.
التفسير المظهري
المظهري