ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

{ )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ( البقرة : ١٦٤ )
التفسير :
قوله تعالى : إن في خلق السموات والأرض ؛ السموات جمع سماء، وتقدم أنها سبع ؛ و الأرض مفرد يراد به الجنس ؛ فيشمل السبع ؛ و خلق السموات والأرض أي إيجادهما من عدم ؛ ويشمل ذلك بقاءهما، وكيفيتهما، وكل ما يتعلق بهما من الشيء الدال على علم الله سبحانه وتعالى، وقدرته، وحكمته، ورحمته.
وقوله تعالى : والأرض يشمل ما أودع الله فيها من المنافع، حيث جعلها متضمنة، ومشتملة على جميع ما يحتاج الخلق إليه في حياتهم، وبعد مماتهم، كما قال تعالى : ألم نجعل الأرض كفاتاً * أحياءً وأمواتاً [ المرسلات : ٢٥، ٢٦ ] إلى آخر الآيات ؛ ما ظنك لو جعل الله هذه الأرض شفافة كالزجاج، فدفن فيها الأموات ينظر الأحياء إلى الأموات فلا تكون كفاتاً لهم ! وما ظنك لو جعل الله هذه الأرض صلبة كالحديد، أو أشد فلا يسهل علينا أن تكون كفاتاً لأمواتنا، ولا لنا أيضاً في حياتنا ! ثم هذه الأرض أودع الله فيها من المصالح، والمعادن شيئاً لم نستطع الوصول إليه حتى الآن.
قوله تعالى : واختلاف الليل والنهار يعني في الإضاءة، والظلمة ؛ في الحر، والبرد ؛ في النصر، والخذلان ؛ في كل شيء يتعلق بالليل، والنهار ؛ هذه الليالي، والأيام التي تدور على العالم كم فَنِي فيها من حي ! كم فيها من حي ! كم عز فيها من ذليل ! كم ذل فيها من عزيز ! كم حصل فيها من حوادث لا يعلمها إلا الله ! هذا الاختلاف كله آيات تدل على تمام سلطان الله عزّ وجلّ، وعلى تفرده بالوحدانية سبحانه وتعالى.
واختلاف الليل، والنهار أيضاً في الطول، والقصر، كما قال تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل [ الحج : ٦١ ] على وجه خفي لا يشعر الناس به : يزداد شيئاً فشيئاً، وينقص شيئاً فشيئاً ليست الشمس تطلع فجأة من مدار السرطان، وفي اليوم التالي مباشرة من مدار الجدي ! ولكنها تنتقل بينهما شيئاً فشيئاً حتى يحصل الالتئام، والتوازن، وعدم الكوارث ؛ فلو انتقلت فجأة من مدار السرطان إلى مدار الجدي لهلك الناس من حر شديد إلى برد شديد ؛ والعكس بالعكس ؛ ولكن الله جل وعلا بحكمته، ورحمته جعلها تنتقل حتى يختلف الليل والنهار على حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته.
قوله تعالى : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ؛ الفلك هي السفينة ؛ وتطلق على المفرد، كما في هذه الآية ؛ وعلى الجمع، كما في قوله تعالى : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم [ يونس : ٢٢ ] و تجري أي تسير ؛ في البحر أي في جوف البحر : فالغواصات تجري في البحر بما ينفع الناس وهي في جوفه ؛ لأنه يقاتل بها الأعداء، وتحمى بها البلاد ؛ وهذا مما ينفع الناس ؛ ويجوز أن تكون في بمعنى «على » أي على سطح البحر، كقوله تعالى : ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام [ الشورى : ٣٢ ] ؛ وهذه أيضاً من آيات الله ؛ سفن محملة بالآدميين، والأمتعة، والأرزاق، تجري على سطح الماء بدون تقلب، أو إزعاج غالباً ! هذا من آيات الله ؛ وقد حدث في عصرنا هذا ما هو أعظم آية، وأكبر منه ؛ وهو الفلك الذي يجري في الهواء ؛ فإذا أشار الله سبحانه وتعالى إلى شيء من آياته في أمر فما هو أعظم منه يكون أقوى دلالة على ذلك ؛ وها هو الطير مسخراً في جو السماء لا يمسكه إلا الله من آيات الله، كما قال تعالى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون [ النحل : ٧٩ ] ؛ هذه الطيور لا تحمل إلا نفسها، فجعلها الله سبحانه وتعالى آية ؛ فكيف بهذه الطائرات ! تكون أعظم، وأعظم.
وقوله تعالى : بما ينفع الناس : الباء هنا للمصاحبة أي مصحوبة بما ينفع الناس من الأرزاق، والبضائع، والأنفس، والذخائر، وغيرها ؛ لأن ما اسم موصول يفيد العموم ؛ فالفلك آية من آيات الله عزّ وجلّ الدالة على كمال قدرته، وكمال رحمته، وتسخيره، كما قال تعالى في أخرى : وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار [ إبراهيم : ٣٢ ]
ومن حكمة الله عزّ وجلّ أنه قدر في الأرض أقواتها يعني جعل قدْراً هنا، وقدْراً هنا، وقدْراً هنا ؛ لأجل أن ينتفع الناس ؛ فهناك ناس لا تكثر عندهم البقول، والخضروات، وما أشبه ذلك ؛ يأتيهم من أرض أخرى ؛ وهناك ناس يكثر عندهم نوع من النخيل لا يوجد في مكان آخر، فينقل إلى المكان الآخر، فيتبادل الناس الأرزاق، وينتفع الناس، ويتحركون كل فيما قدر له.
قوله تعالى : وما أنزل الله من السماء من ماء يعني : وفيما أنزل الله سبحانه وتعالى من السماء من ماء آيات لقوم يعقلون ؛ والمراد ب السماء هنا العلو ؛ لأن المطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء، والأرض ؛ وليس من السماء نفسها.
وقوله تعالى : من ماء بيان ل ما في قوله تعالى : وما أنزل الله ؛ والمراد به المطر الذي أنزله الله من السماء ؛ وفيه آيات عظيمة ؛ منها كونه ينزل من السماء ؛ فإن الذي حمله إلى السماء هو الله عزّ وجلّ ؛ كذلك كونه ينزل رذاذاً هذا من آيات الله الدالة على رحمته ؛ لأنه لو كان ينزل صباً لأهلك العالم ؛ وكونه ينزل من السماء لا يجري من الأرض هذا أيضاً من آيات الله ؛ لأجل أن ينتفع به سهول الأرض، وجبالها ؛ ولو كان يجري من الأرض لغرق الأسفل قبل أن يصل إلى الأعلى ؛ كذلك من آيات الله كونه ينزل لا حاراً، ولا بارداً ؛ البردَ ذكره الله تعالى في سياق يدل على أنه نوع من الانتقام، فقال تعالى : وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار [ النور : ٤٣ ] ؛ وإن كان الله قد يجعله رحمة ؛ لكن الغالب أنه انتقام.
قوله تعالى : فأحيا به الأرض : الذي يحيى هو النبات الذي فيها وليس الأرض ؛ و بعد موتها أي بعد أن كانت يابسة هامدة لا نبات فيها ؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى : فتصبح الأرض مخضرة [ الحج : ٦٣ ] ؛ وفي إحياء النبات آيات كثيرة : آيات دالة على الرحمة ؛ وآيات دالة على الحكمة ؛ وآيات دالة على القدرة.
آيات دالة على الرحمة : لما في هذا الإحياء من المنافع العظيمة ؛ لقوله تعالى : أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعاً لكم ولأنعامكم [ النازعات : ٣١، ٣٣ ]، وقوله تعالى : فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صباً... [ عبس : ٢٤ ] إلى قوله تعالى : متاعاً لكم ولأنعامكم ؛ فكم من نعم كثيرة في هذه الزروع التي أحياها الله سبحانه وتعالى بالمطر لنا، ولأنعامنا قوتاً، ودواءً، وغير ذلك.
وآيات دالة على الحكمة : وهو أن حياة الأرض جاءت بسبب - وهو الماء الذي نزل ؛ فمنه نأخذ أن الله - جل وعلا - يخلق بحكمة، ويقدّر بحكمة ؛ الله - جل وعلا - قادر على أن يقول للأرض :«أنبتي الزرع » فتنبت بدون ماء ؛ لكن كل شيء مقرون بسبب ؛ فكونه جلا وعلا ربط إحياء الأرض بنزول الماء يدل على الحكمة، وأن كل شيء له نظام خاص لا يتعداه منذ خُلق إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.
وآيات دالة على القدرة : وهي أنك ترى الأرض خاشعة هامدة سوداء شهباء ما فيها شيء ؛ فإذا أنزل الله عليها المطر ؛ تأتي إليها بعد نحو شهر تجدها تهتز أزهاراً، وأوراقاً، وأشجاراً : قال تعالى : فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير [ فصلت : ٣٩ ] ؛ وهذه قدرة عظيمة ؛ واللَّهِ ! لو أن البشر من أولهم إلى آخرهم اجتمعوا على أن يخرجوا ورقة واحدة من حبة لما استطاعوا ؛ وحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ؛ أليس هذا دليلاً على القدرة العظيمة ! ! !
قوله تعالى : وبث فيها أي نشر، وفرق ؛ وهي معطوفة على قوله تعالى : أنزل أي : وفيما بث في الأرض من كل دابة آيات لقوم يعقلون ؛ و من كل دابة أي من كل ما يدب على الأرض من صغير، وكبير، وعاقل، وبهيم ؛ وأتى ب كل لإفادة العموم الشامل لجميع الأجناس، والأنواع، والأفراد ؛ ففي الأرض دواب لا يَعلَم بأنواعها، ولا أجناسها - فضلاً عن أفرادها - إلا الذي خلقها سبحانه وتعالى يعلم هذه الأجناس، وأنواعها، وأفرادها، وأحوالها، وكل ما يصلحها ؛ ففيها من آيات الله الدالة على كمال قدرته، ورحمته، وعلمه، وحكمته ما يبهر العقول ؛ تجد هذه الدواب المختلفة المتنوعة، والحشرات الصغيرة كيف هداها الله لما خلقت له ؛ قال تعالى : أعطى كل شيء خلقه ثم هدى [ طه : ٥٠ ] حتى إنك لترى الماء يدخل في جحر النمل، فترى النملة تخرج من هذا الجحر حاملة أولادها ! ماذا ترجو من هذه الأولاد ؟ ! لكن رحمة أرحم الراحمين أن جعل في قلب هذه النملة رحمة لتحمل أولادها عن الغرق ؛ كذلك أيضاً السباع الضارية التي تأكل ما دون أولادها من الحيوان : تجدها تحنو على ولدها، وتربيه ؛ حتى إذا استقل بنفسه صار عدواً لها، أو صارت عدوة له ؛ فالهرة تربي أولادها ؛ فإذا استغنوا عنها طردتهم، وصارت عدوة لأولادها ؛ فهذا من آيات الله عزّ وجلّ ؛ ترى بعض الدواب تدب على الأرض ؛ ولكن لا تكاد تدرك جسمها صغراً فضلاً عن أعضائها، وعما في جوفها ؛ ومع ذلك فهي عايشة، وتعرف مصالحها، وتعرف جحرها تأوي إليه ؛ فهذه من آيات الله عزّ وجلّ ؛ ومن درس في علم الأحياء وجد من هذا ما يبهر العقول ؛ فما بث الله سبحانه وتعالى في الأرض من الدواب من أجناسها، وأنواعها، وأفرادها فيه من آيات الله ما لا يحصى ؛ لأن في كل شيء منه آية ؛ وهو لا يحصى أنواعاً، أو أجناساً فضلاً عن أفرادٍ ؛ وهذه الدواب تنقسم باعتبار مصالح الخلق إلى ثلاثة أقسام :
الأول : ما فيه مصلحة خالصة، أو راجحة.
الثاني : ما فيه مضرة خالصة، أو راجحة ؛ لكن مضرتها لها حِكَم كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.
الثالث : ما لا مضرة فيه، ولا مصلحة ؛ ولكن فيه دلالة على كمال الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى : وتصريف الرياح أي تنويعها في اتجاهها، وشدتها، ومنافعها ؛ و الرياح جمع ريح ؛ وهي الهواء ؛ وفي قراءة : الريح بالإفراد ؛ والمراد به الجنس ؛ والتصريف يشمل تصريفها من حيث الاتجاه ؛ تصريفها من حيث الشدة، وعدمها ؛ تصريفها من حيث المنافع، وعدمها ؛ فمن حيث الاتجاه جعلها الله سبحانه وتعالى متجهة جنوباً، وشمالاً، وغرباً، وشرقاً ؛ وهذه هي أصول الجهات ؛ وهناك جهات أخرى تكون بينها ؛ وتسمى النكبة ؛ لأنها ليست في الاستقامة في الشرق، أو الغرب، أو الشمال، أو الجنوب ؛ فهي نكباء - ناكبة عن الاتجاه الأصلي.
وفي تصريف هذه الرياح آيات : لو بقيت الريح في اتجاه واحد لأضرت بالعالم ؛ لكنها تتقابل، فيكسر بعضها حدةَ بعض، ويذهب بعضها بما جاء به البعض الآخر من الأذى، والجراثيم، وغيرها ؛ كذلك أ

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير