ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

و حياة مبتدأ و في القصاص خبره، و لكم خبر ثان، أو صلة له، أو حال من الضمير المستكِنْ فيه. وفيه من البلاغة والفصاحة ما لا يخفى، جعل الشيء مجيء ضده، وعرّف القصاص ونكْر الحياة ليدل على التعظيم والتعميم، أي : ولكم نوع من الحياة عظيم، وذلك لأن العلم به يَرْدَع القاتل عن القتل، فيكون سببَ حياةِ نَفْسَيْن، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، والجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم، فإذا اقتُصّ من القاتل سَلِم الباقون، ويصيرُ ذلك سبباً لحياتهم. قاله البيضاوي.
ولكم يا معشر المسلمين في تشريع القصاص حياة عظيمة في الدنيا، لانزجار القاتل إذا علَم أنه يُقتص منه، وقد كانوا يَقتُلون الجماعةَ في الواحد، فسلِموا من القتل بشروع القصاص، أو في الآخرة، فإن القاتل إذا اقتُصَّ منه في الدنيا لم يؤخذْ به في الآخرة، فاعتُبِروا يا أولي الألباب أي : العقول الكاملة، ما في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، لعلكم تتقون الله في المحافظة على القصاص، والحكم به والإذعان له، أو تَكُفُّون عن القتل خوفاً من الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كما جعل الله القصاص في الجناية الحسيّة، جعل القصاصَ في الجناية المعنوية، وهي الجنايةُ على النفس بسوء الأدب مع الله، فكل من صدر منه هفوةٌ أو زَلَّة، اقْتصَ الحقّ تعالى منه في دار الدنيا، إن كانت له من الله عناية، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة : وتأمَّلْ قضية الرجل الذي كان يطوف بالكعبة، فنظر إلى امرأة، فلطَمْته كَف من الهوى، وذهبت عينه، فقال : آه، فقيل له : لطمة بنظرة، وإن زدت زدنا. هـ. وقضية أبي تراب النخشبي : قال رضي الله عنه : ما تمنت نفسي شهوةً من الشهوات إلا مرة واحدة، تمنيت خبزاً وبيضاً وأنا في سفر، فعدلت إلى قرية، فقام واحد، وتعلّق بي، وقال : هذا رأيته مع اللصوص، فضربوني سبعين درة، ثم عرفني رجلٌ منهم، وحملني إلى منزله، وقدَّم لي خبزاً وبيضاً، فقلت في نفسي : كُلْ بعد سبعين درة.
وقضية أبي الخير العسقلاني : اشتهى السمك فلما مد يده ليأكل أخذت شوكة من عظامها أصبعه، فذهبت في ذلك يده. وقضية إبراهيم بن شيبان : قال :( اشتهيت شبعة من الخبز والعدس، فاتفق ذلك، فأكلت حتى شبعت، ثم رأيت منكرا، فغيرته، فأخذوني وضربوني مائة خشبة، وطرحوني في السجن أربعة أشهر، حتى شفع في شيخي، فخرجت، وقال : أخذتها مجانا )، أي : حيث عوقبت في ظاهرك دون باطنك.
قضية خير النساج : قال :( عاهدت الله وعقدت ألا آكل الرطب فغلبتني نفسي، فأخذت نصف رطل، فلما أكلت واحدة إذا برجل نظر إلي وقال : يا خير، أين هربت مني ؟ وكان له عبد اسمه خير، فوقع علي شبهه – قال : فبقيت معه عدة أشهر أنسج له الكرباس – وهو القطن الأبيض -، ثم تبت فزال عني الشبه ).
فمن عفي له عن شيء من هذه الجناية، بعد الأدب أو قبله، فليشكر الله، ويتبع ما أمره به، ويؤدي ما فرضه عليه بالمعروف، من غير إسراف، ولا تقصير، ذلك تخفيف من الله عنه، ورحمة به، فمن اعتدى بعد ذلك، ورجع إلى ما تاب عنه فله عذاب أليم، وهو الطرد عن حضرة الأحباب، إلى الوقوف بالباب أو سياسة الدواب، إلا من تاب وعمل صالحا فإن الله يتوب على من تاب. ولكم في القصاص في دار الدنيا – حياة عظيمة لأرواحكم وأسراركم ؛ لأن ذلك اعتناء بكم يا أولي الألباب، لعلكم تتقون كل ما يشغلكم عن مولاكم.



الإشارة : كما جعل الله القصاص في الجناية الحسيّة، جعل القصاصَ في الجناية المعنوية، وهي الجنايةُ على النفس بسوء الأدب مع الله، فكل من صدر منه هفوةٌ أو زَلَّة، اقْتصَ الحقّ تعالى منه في دار الدنيا، إن كانت له من الله عناية، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة : وتأمَّلْ قضية الرجل الذي كان يطوف بالكعبة، فنظر إلى امرأة، فلطَمْته كَف من الهوى، وذهبت عينه، فقال : آه، فقيل له : لطمة بنظرة، وإن زدت زدنا. هـ. وقضية أبي تراب النخشبي : قال رضي الله عنه : ما تمنت نفسي شهوةً من الشهوات إلا مرة واحدة، تمنيت خبزاً وبيضاً وأنا في سفر، فعدلت إلى قرية، فقام واحد، وتعلّق بي، وقال : هذا رأيته مع اللصوص، فضربوني سبعين درة، ثم عرفني رجلٌ منهم، وحملني إلى منزله، وقدَّم لي خبزاً وبيضاً، فقلت في نفسي : كُلْ بعد سبعين درة.
وقضية أبي الخير العسقلاني : اشتهى السمك فلما مد يده ليأكل أخذت شوكة من عظامها أصبعه، فذهبت في ذلك يده. وقضية إبراهيم بن شيبان : قال :( اشتهيت شبعة من الخبز والعدس، فاتفق ذلك، فأكلت حتى شبعت، ثم رأيت منكرا، فغيرته، فأخذوني وضربوني مائة خشبة، وطرحوني في السجن أربعة أشهر، حتى شفع في شيخي، فخرجت، وقال : أخذتها مجانا )، أي : حيث عوقبت في ظاهرك دون باطنك.
قضية خير النساج : قال :( عاهدت الله وعقدت ألا آكل الرطب فغلبتني نفسي، فأخذت نصف رطل، فلما أكلت واحدة إذا برجل نظر إلي وقال : يا خير، أين هربت مني ؟ وكان له عبد اسمه خير، فوقع علي شبهه – قال : فبقيت معه عدة أشهر أنسج له الكرباس – وهو القطن الأبيض -، ثم تبت فزال عني الشبه ).
فمن عفي له عن شيء من هذه الجناية، بعد الأدب أو قبله، فليشكر الله، ويتبع ما أمره به، ويؤدي ما فرضه عليه بالمعروف، من غير إسراف، ولا تقصير، ذلك تخفيف من الله عنه، ورحمة به، فمن اعتدى بعد ذلك، ورجع إلى ما تاب عنه فله عذاب أليم، وهو الطرد عن حضرة الأحباب، إلى الوقوف بالباب أو سياسة الدواب، إلا من تاب وعمل صالحا فإن الله يتوب على من تاب. ولكم في القصاص في دار الدنيا – حياة عظيمة لأرواحكم وأسراركم ؛ لأن ذلك اعتناء بكم يا أولي الألباب، لعلكم تتقون كل ما يشغلكم عن مولاكم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير