ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

إن الحق يرفع العقاب والعذاب عن القاتل إذا قبل القصاص ونفذ فيه، أو إذا عفى عنه إلى الدية وأداها. ولكن الحق لا يقبل سوى استخدام الفرص التي أعطاها الحق للخلق ليرتفعوا في علاقاتهم. إن الحق لا يقبل أن يتستر أهل قتيل وراء العفو، ليقتلوا القاتل بعد أن أعلنوا العفو عنه، فذلك عبث بما أراده الحق منهجاً بين العبادولذلك يقول الحق : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ١٧٩ وهنا نلاحظ أن النسق القرآني يأتي مرة فيقول :( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ). ويأتي هنا ليقول النسق القرآني :( ولكم في القصاص ).
التشريع الدقيق المحكم يأتي بواجبات وبحقوق ؛ فلا واجب بغير حق، ولا حق بغير واجب، وحتى نعرف سموّ التشريع مطلوب من كل مؤمن أن ينظر إلى ما يجب عليه من تكاليف، ويقرنه بما له من حقوق، ولسوف يكتشف المؤمن أنه في ضوء منهج الله قد نال مطلق العدالة.
إن المشرّع هو الله، وهو رب الناس جميعا، ولذلك فلا يوجد واحد من المؤمنين أولى بالله من المؤمنين الآخرين. إن التكليف الإيماني يمنع الظلم، ويعيد الحق، ويحمي ويصون للإنسان المال والعرض. ومن عادة الإنسان أن يجادل في حقوقه ويريدها كاملة، ويحاول أن يقلل من واجباته، ولكن الإنسان المؤمن هو الذي يعطي الواجب تماما فينال حقوقه تامة، لذلك يقول الحق : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ١٧٩ ( سورة البقرة ).
إن القصاص مكتوب على القاتل والمقتول وولي الدم. فإذا علم القاتل أن الله قد قرر القصاص فإن هذا يفرض عليه أن يسلم نفسه، وعلى أهله ألا يخفوه بعيداً عن أعين الناس ؛ لأن القاتل عليه أن يتحمل مسئولية ما فعل، وحين يجد القاتل نفسه محوطاً بمجتمع مؤمن يرفض القتل فإنه يرتدع ولا يقتل، إذن ففي القصاص حياة ؛ لأن الذي يرغب في أن يقتل يمكنه أن يرتدع عندما يعرف أن هناك من سيقتص منه، وأن هناك من لا يقبل المداراة عليه.
ونأتي بعد ذلك للذين يتشدقون ويقولون : إن القصاص وحشية وإهدار لآدمية الإنسان، ونسألهم : لماذا أخذتكم الغيرة لأن إنساناً يقتص منه بحق وقد قتل غيره بالباطل ؟ ما الذي يحزنك عليه ؟
إن العقوبة حين شرعها الله لم يشرعها لتقع، وإنما شرعها لتمنع. ونحن حين نقتص من القاتل نحمي سائر أفراد المجتمع من أن يوجد بينهم قاتل لا يحترم حياة الآخرين، وفي الوقت نفسه نحمي هذا الفوضوي من نفسه ؛ لأنه سيفكر ألف مرة قبل أن يرتكب جريمة.
إذن فالقصاص من القاتل عبرة لغيره، وحماية لسائر أفراد المجتمع، ولذلك يقول الحق سبحانه :( ولكم في القصاص حياة ). إن الحق يريد أن يحذرنا أن تأخذنا الأريحية الكاذبة، والإنسانية الرعناء، والعطف الأحمق، فنقول : نمنع القصاص.
كيف نغضب لمعاقبة قاتل بحق، ولا نتحرك لمقتل بريء ؟ إن الحق حين يشرع القصاص كأنه يقول : إياك أن تقتل أحداً لأنك ستقتل إن قتلته، وفي ذلك عصمة لنفوس الناس من القتل. إن في تشريع القصاص استبقاء لحياتكم ؛ لأنكم حين تعرفون أنكم عندما تقتلون بريئا وستقتلون بفعلكم فسوف تمتنعون عن القتل، فكأنكم حقنتم دماءكم. وذلك هو التشريع العالي العادل.
وفي القصاص حياة ؛ لأن كل واحد عليه القصاص، وكل واحد له القصاص، إنه التشريع الذي يخاطب أصحاب العقول وأولي الألباب الذين يعرفون الجوهر المراد من الأشياء والأحكام، أما غير أولي الألباب فهم الذين يجادلون في الأمور دون أن يعرفوا الجوهر منها، فلولا القصاص لما ارتدع أحد، ولولا القصاص لغرقت البشرية في الوحشية. إن الحكمة من تقنين العقوبة ألا تقع الجريمة، وبذلك يمكن أن تتوارى الجريمة مع العقوبة ويتوازن الحق مع الواجب.
إن المتدبر لأمر الكون يجد أن التوازن في هذه الدنيا ؛ على سبيل المثال في السنوات الماضية يأتي من وجود قوتين عظمتين كلتاهما تخشى الأخرى وكلتاهما تختلف مع الأخرى، وفي هذا الاختلاف حياة لغيرهما من الشعوب، لأنهما لو اتفقتا على الباطل لتهدمت أركان دولتيهما، وكان في ذلك دمار العالم، واستعباد لبقية الشعوب وكان كل نظام من نظم العالم يحمل للآخر الحقد والكراهية والبغضاء ويريد أن يسيطر بنظامه، لكنه يخشى قوة النظام الآخر، لهذا نجد في ذلك الخوف المتبادل حماية لحياة الآخرين، وفرصة للمؤمنين أن يأخذوا بأسباب الرقي العلمي ليقدموا للدنيا أسلوباً لائقاً بحياة الإنسان على الأرض في ضوء منهج الله. وعندما حدث اندثار لقوة من القوتين هي الاتحاد السوفيتي، فإن الولايات المتحدة تبحث الآن عن نقيض لها، لأنها تعلم أن الحياة دون نقيض في مستوى قوتها، قد يجريء الصغار عليها.
إن الخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن بين معسكرات العالم، والخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن في الأفراد أيضا.
إن عدل الرحمن هو الذي فرض علينا أن نتعامل مع الجريمة بالعقاب عليها، وأن يشاهد هذا العقاب آخرون ليرتدعوا.
فهاهو ذا الحق في جريمة الزنى على سبيل المثال يؤكد ضرورة أن يشاهد العقاب طائفة من الناس ليرتدعوا. إن التشديد مطلوب في التحري الدقيق في أمر حدوث الزنى ؛ لأن عدم دقة التحري يصيب الناس بالقلب ويسبب ارتباكا وشكا في الأنساب، والتشديد جاء أيضا في العقوبة في قول الحق :
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ٢ ( سورة النور ).
إن الذي يجتريء على حقوق الناس يجتريء أيضا على حقوق الله، ولذلك فمقتضى إيثار الإيمان هو إرضاء الله لا إرضاء الناس. وفي إنزال العقاب بالمعتدي خضوع لمنهج الله، وفي رؤية هذا العقاب من قبل الآخرين هو نشر لفكرة أن المعتدي ينال عقاباً، ولذلك شرّع الحق العقاب والعلانية فيه ليستقر التوازن في النفس البشرية.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير