ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

وبعد أن ذكر حكمة العفو والرغبة فيه، وذكر الوعيد على الغدر، أرشد إلى بيان الحكمة في القصاص، إذ أن ذلك أدعى إلى ثبات الحكم في النفس، وأدعى إلى الرغبة في العمل به فقال : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ
تفسير المفردات :
والألباب : واحدها لب وهو العقل.
المعنى الجملي :
كان القصاص على القتل أمرا محتوما عند اليهود كما في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج، وكانت الدية أمرا مقضيا عند النصارى، وكانت العرب تتحكم في ذلك بحسب قوة القبائل وضعفها، فكثيرا ما كانت القبيلة تأبى أن تقتص من القاتل، بل تقتص من رئيس القبيلة، وربما طلبوا بالواحد عشرة، وبالأنثى ذكرا وبالعبد حرا، فإن أجيبوا فيها ونعمت، وإلا قاتلوا قبيلة القاتل وسفكوا دماء كثيرة، وهذا ظلم عظيم، وقسوة شديدة، وقتل القاتل فحسب وهو ما جاء في التوراة إصلاح لهذا الظلم.
ولكن قد تقع أحيانا بعض جرائم يكون الحكم فيها بقتل القاتل ضارا وتركه لا مفسدة فيه، كأن يقتل المرء أخاه أو أحد أقاربه لغضب فجائي اضطره إلى قتله، ويكون هذا القاتل هو العائل لذلك البيت. فإذا قتل يفقدون بفقده النصير والمعين، بل قد يكون في قتل القاتل مفسدة ومضار، وإن كان القاتل أجنبيا من المقتول فيكون من الخير لوليه عدم قتله دفعا للضرر أو استفادة للدية، ففي أمثال هذه الحالات يجوز لأولياء المقتول العفو مع أخذ الدية أو تركها.
وإذا ارتقت عاطفة الرحمة لدى شعب أو بلد وصار يستنكر القتل ويرى أن العفو أفضل، فالأمر موكول إليهم والشريعة ترغبهم فيه، وهذا هو الإصلاح الكامل، الذي جاء به الكتاب الكريم في القصاص.
وقد يجول بخاطر بعض الناس ولا سيما في عصرنا الحاضر، أن عقوبة القاتل بالقتل انتقام لا تربية، والواجب أن تعلم الحكومة الجمهور التراحم في العقوبات، لأنهم ما ارتكبوا هذه الجريمة إلا لمرض في عقولهم، فيجب أن يوضعوا في المستشفيات حتى يبرءوا إلى كلام كثير كهذا وأشباهه، ولو أنا دققنا النظر وتأملنا لعلمنا أن مثل هذا إن ساغ في التشريع فلن يكون إلا في الأمم الراقية التي قطعت شوطا بعيدا في الحضارة، وكان أفرادها على حظ عظيم من الأخلاق الفاضلة، ولا يصلح أن يكون تشريعا عاما، فالقصاص بالعدل والمساواة هو الذي يربي الأمم والشعوب، وتركه يغري الأشقياء، ويجرئهم على سفك الدماء، فإن عقوبة السجن لا تزجر كثيرا من الناس، بل يرون السجون خيرا لهم من بيوتهم
الإيضاح :
أي في القصاص الحياة الهنيئة، وصيانة الناس من اعتداء بعضهم على بعض، إذ من علم أنه إذا قتل نفسا يقتل بها، يرتدع عن القتل فيحفظ حياة من أراد قتله وحياة نفسه، والاكتفاء بالدية لا يردع كل أحد عن سفك دم خصمه إن استطاع، إذ من الناس من يبذل المال الكثير للإيقاع بعدوه.
وقد أثر عن العرب كلمات تفيد معنى الآية كقولهم : القتل أنفى للقتل، وقولهم : قتل البعض إحياء للجميع، وقولهم : أكثروا القتل ليقل القتل، ولكن الآية أخصر من هذا كله، وفيها من الفوائد ما لا يوجد فيما أثر عنهم، إذ أن القتل ظلما لا يكون نافيا للقتل بل هو سبب في زيادته، وإنما النافي للقتل هو القتل قصاصا، وأمرهم بالقتل ليقل القتل أو ينتفي، يصدق باعتداء قبيلة على أخرى والإسراف في قتل رجالها لتضعف فلا تقدر على الأخذ بالثأر، ويكون المراد أن قتلنا لعدونا إحياء لنا وتقليل أو نفي لقتله إيانا.
يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ وخص أرباب العقول بالنداء للدلالة على أن الذي يفهم قيمة الحياة ويحافظ عليها هم العقلاء، كما أنهم هم الذين يفقهون سر هذا الحكم وما اشتمل عليه من المصلحة والحكمة، فعليكم أن تستعملوا عقولكم في فهم دقائق الأحكام.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي ولما كان في القصاص حياة لكم كتبناه عليكم وشرعنا لكم لعلكم تتقون الاعتداء وتكفون عن سفك الدماء، إذ العاقل يحرص على الحياة، ويحترس من غوائل القصاص.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير