أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ وغيره من طرق عن جرير بن عبد الحميد عن عبد السجستاني عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن جبيرة عن أبيه عن جده أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فسكت عنه فأنزل الله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب يعني فقل لهم إني قريب، وأخرج عبد الرزاق عن الحسن سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم أين ربنا فأنزل الله، وهذا مرسل، قلت : ولعل السائل هو الأعرابي. وأخرج ابن عساكر عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تعجزوا عن الدعاء فإن الله أنزل علي ادعوني أستجب لكم قالوا : لا نعلم أي ساعة ندعوا ؟ فنزلت إلى قوله : يرشدون ، قال البغوي : روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قال يهود المدينة يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام وأن غلظ كل سماء مثل ذلك ؟ فنزلت هذه الآية. قلت والظاهر أن تشريف السائل بالإضافة إلى نفسه في قوله تعالى : وإذا سألك عبادي يأبى أن يكون السائل يهوديا متعنا في السؤال الله أعلم، ونزول هذه الآية في جواب السائل أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه إرشاد على الذكر الخفي دون الجهر كما لا يخفى، وعن أبي موسى الأشعري قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير لا إله إلا الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم » رواه البخاري. قال المفسرون : معناه إني قريب منهم بالعلم لا يخفى علي شيء، قال البيضاوي : هو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحواله بحال من قرب مكانه منهم، قلت : وهذا التأويل منهم مبني على أن القرب عندهم منحصر في القرب المكاني والله تعالى منزه عن المكان ومماثلة المكانيات، والحق أنه سبحانه قريب من الممكنات، قربا لا يدركه بالعقل بل بالوحي أو الفراسة الصحيحة وليس من جنس القرب المكاني ولا يتصور شرحه بالتمثيل إذ ليس كمثله شيء، وأقرب التمثيلات أن يقال قربه إلى الممكنات كقرب الشعلة الجوالة بالدائرة الموهومة فإن الشعلة ليست داخلة في الدائرة للبون البعيد بين الموجود الحقيقي والموجود في الوهم وليست خارجة عنها ولا عينها ولا غيرها وهو أقرب إلى الدائرة من نفسها حيث ارتسمت الدائرة بها ولا وجود لها في الخارج بل في الوهم بوجود تلك النقطة في الخارج والله أعلم.
أجيب دعوة الداع إذا دعان قرأ أهل المدينة غير قالون وأبو عمرو بإثبات الياء فيهما في الوصل والباقون بحذفهما وصلا ووقفا، وكذا اختلف القراء في إثبات الياآت المحذوفة من الخط وحذفها في التلاوة ويثبت يعقوب جميعا وصلا ووقفا، واتفقوا على إثبات ما هو مثبت في الخط وصلا ووقفا فليستجيبوا لي أي ليطلبوا مني إجابة دعواتهم، وإنما عدي باللام لأن طلب الحاجة والدعاء عبادة من العبد لله تعالى، وقيل : الاستجابة بمعنى الإجابة أي فليجيبوا بالطاعة إذا دعوتهم للأيمان والعبادة كما أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم، والإجابة في اللغة : إعطاء ما سأل فهو من الله تعالى العطاء ومن العبد الطاعة وليؤمنوا بي قرأ بفتح الياء ورش والباقون بالإسكان، أمر بالثبات والمداومة على الإيمان إذ أصل الإيمان ثابت في المؤمنين، والأولى أن يحمل على أنه طلب الإيمان الحقيقي المترتب على فناء النفس بعد الإيمان المجازي فإن التنصيص أولى من التأكيد لعلهم يرشدون راجين إصابة الرشد أو لكي يرشدوا أو يهتدوا، والرشد ضد الغي وهو النيل إلى المقصود والوصل العريان إن شاء الله تعالى، فإن قيل أجيب دعوة الداع و ادعوني أستجب لكم وعد بالإجابة لا يجوز خلفه وقد يدعوا العبد كثيرا ولا يجاب ؟ قال البغوي في الجواب : اختلفوا في معنى الآيتين ؟ قيل : معنى الدعاء ههنا الطاعة ومعنى الإجابة الثواب فلا يراد، وقيل معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما تقديرهما أجيب دعوة الداعي إن شئت نظيره قوله تعالى : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء فحينئذ المقصود من الآية وقول الكفار الذين زعموا أن الله لا يسمع دعاءنا وأنه غائب، أو تقديرهما أجيب إن كانت الإجابة خيرا له، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل » قالوا : وما الاستعجال يا رسول الله ؟ قال : يقول قد دعوتك يا رب قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي، فيخسر عن ذلك فيدع الدعاء » وراه مسلم. وتقديره أجيبه إن لم يسأل محالا، وقيل : هو عام لكن معنى قوله أجيب أني أسمع وليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقيل : معنى الآية أنه يجيب دعاءه فإن قدر له ما سأل أعطاه وإن لم يقدر له ادخر ثوابه في الآخرة أو كف عنه سوءا. عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ما على الأرض رجل مسلم يدعوا الله بدعوة إلا آتاه الله إياه أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » رواه البغوي، وروي أحمد عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم :«ما من مسلم ينصب وجهه لله تعالى في مسألة إلا أعطاها إياه إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له » وروى الترمذي عن جابر مرفوعا بلفظ :«إلا أتاه الله ما سأل أو كف من السوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » وقيل : إن الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته، وقيل : إن للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة ومن أخل بها كان من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الإجابة، وقد مر حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء يا رب أشعث أغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك، رواه مسلم، والتحقيق في الباب عندي أن ما ذكرنا من الأقوال كلها صحيح وأنه ليس كل دعاء مستجاب، ومدلول الآية أن مقتضى الدعاء الإجابة فإنه تعالى جواد كريم قادر على كل شيء ومن كان هذا صفته لا يمنع مسؤوله عقلا ونقلا، وروى الترمذي وأبو داود عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا » وإنما يظهر تخلف الاستجابة عن الدعاء أو تأخر عنه إما لحكمة أو لمانع من الاستجابة أو فقد شرط عقوبة للداعي والله أعلم.
التفسير المظهري
المظهري