وقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حضٌّ على التكبير في آخر رمضان.
قال مالكٌ: وهو من حينِ يَخْرُجُ الرجلُ من منزله إِلى أنْ يخرج الإِمامُ إلى المصلى، ولفظه عند مالك وجماعةٍ من العلماء: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ثلاثاً.
ومن العلماء من يكبِّر، ويهلِّل، ويسبِّح أثناء التكبيرِ، ومنهم من يقول: اللَّه أكبر كبيراً، والحمدُ للَّهِ كَثيراً، وسبحانَ اللَّهِ بُكْرةً وأصيلاً، وقيل غير هذا. والجميعُ حسن واسع مع البداءة بالتكبير.
وهَداكُمْ: قيل: المرادُ: لِمَا ضَلَّ فيه النصارى من تبديلِ صيامِهِمْ، وتعميمُ الهدى جيدٌ.
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ترجٍّ في حق البَشَر، أي: على نعم اللَّه في الهدى.
ص: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علَّةَ الترخيصِ والتيسيرِ، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك انتهى.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٦]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)
وقوله جلَّ وعلا: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ... الآيةَ.
قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: سببُها أن قوما قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيَهُ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيَهُ»، فنزلتِ الآية «١».
وأُجِيبُ: قال قومٌ: المعنى: أجيبُ إِن شئْتُ، وقال قوم: إِن اللَّه تعالى يجيب كلَّ الدعاء، فإِما أن تظهر الإِجابةُ في الدنيا، وإما أن يكفِّر عنه، وإِما أن يُدَّخَرَ له أجرٌ في الآخرة، وهذا بحَسَب حديثِ «الموطَّإِ»، وهو: «مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلاَّ كَانَ بين إحدى ثلاث... » «٢» الحديث.
وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٧٣)، وابن كثير (١/ ٢١٨).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٢١٨). كتاب «القرآن»، باب العمل في الدعاء حديث (٤١). [.....]
ت: وليس هذا باختلاف قولٍ.
قال ابن رُشْدٍ في «البيان» : الدعاءُ عبادةٌ من العبادات يؤْجر فيها الأجر العظيم، أَجيبَتْ دعوته فيما دعا به، أو لم تُجَبْ، وهأنا أنقل، إِن شاء اللَّه، من صحيح الأحاديث في هذا المَحَلِّ ما يَثْلَجُ له الصَدْرُ، وعن أنسٍ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم:
«لاَ تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ» رواه الحاكم أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ» على الصحيحين، وابن حِبَّانَ في «صحيحه»، واللفظ له، وقال الحاكم:
صحيحُ الإِسناد «١»، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ:
سِلاَحُ المُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ» رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيحٌ «٢»، وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ- رضي اللَّه عنهما- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: عَبْدِي، إِنِّي أَمَرْتُكَ أَنْ تَدْعُونِي، وَوَعَدْتُّكَ أَنْ أَسْتَجِيبَ لَكَ، فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، / فَيَقُولُ: أما إنّك لم ٤٦ أتدعني بِدَعْوَةٍ إِلاَّ استجبت لَكَ، أَلَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ؟! فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي يوم كذا وكذا لغم نزل بك، أن أُفَرِّجَ عَنْكَ، فَلَمْ تَرَ فَرَجاً؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ادخرت لَكَ بِهَا فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا [و] كَذَا وَكَذَا، وَدَعَوْتَنِي فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَقَضَيْتُهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ، فَلَمْ تَرَ قَضَاءَهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ:
إِنِّي ادخرت لَكَ فِي الجَنَّةِ كذا وكذا، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «فَلاَ يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعَا بِهَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ إِلاَّ بَيَّنَ لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ ادخر لَهُ فِي الآخِرَةِ، قَالَ:
فَيَقُولُ المُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ: يَا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ دُعَائِهِ»، رواه الحاكم في «المستدرك» «٣».
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٢)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢١٨١)، وأبو يعلى (١/ ٣٤٤) رقم (٤٣٩).
كلهم من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعا. وليس عن أبي هريرة كما ذكره المؤلف. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي، والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٠)، وقال: رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك.
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٠٨)، من طريق الفضل بن عيسى، عن-
وعن ثَوْبَانَ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يَرُدُّ القَدَرِ إِلاَّ الدُّعَاءُ»، رواه الحاكمُ في «المُسْتَدْرَكِ»، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه»، واللفظ للحاكمِ، وقال: صحيحُ الإِسناد «١».
قلت: وقد أخرج ابن المبارك في «رقائقه» هذا الحديثَ أيضاً، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبد اللَّه بن عيسى عن عبد اللَّه بن أبي الجَعْد «٢»، عن ثوبان «٣»، قال: قال رسول
وقال الحاكم: هذا حديث تفرد به الفضل بن عيسى الرقاشي، ومحله محل من لا يتهم بالوضع، ووافقه الذهبي، والفضل بن عيسى، قال الحافظ في «التقريب» : متروك.
(١) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٣٣٤)، كتاب «الفتن»، باب العقوبات حديث (١٠٢٢)، وأحمد (٥/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢)، والحاكم (١/ ٤٩٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٤١- ٤٤٢)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ١٦٩)، وأبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (٢/ ١٠)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٨٣١)، من حديث ثوبان مرفوعا.
قال البوصيري في «الزوائد» : هذا إسناد حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان.
(٢) عبد الله بن أبي الجعد الأشجعي. عن ثوبان. وعنه عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى. له عند كل منهما فرد حديث. وثقه ابن حبان. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ٤٦).
(٣) هو: ثوبان بن بجدد. مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
قال ابن الأثير في «الأسد» : هو من «حمير» من «اليمن»، وقيل: هو من سعد العشيرة من «مذحج»، أصابه سباء، فاشتراه رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأعتقه، وقال له: «إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، وإن شئت أن تكون منا أهل البيت». فثبت على ولاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فخرج إلى الشام فنزل إلى «الرملة» وابتنى بها دارا، وابتنى ب «مصر» دارا، وب «حمص» دارا، وتوفي بها سنة (٥٤).
روى عن النبي صلّى الله عليه وسلم أحاديث ذوات عدد.
روى عنه شداد بن أوس، وجبير بن نفير، وأبي إدريس الخولاني، وأبي سلام ممطور الحبشي، ومعدان بن أبي طلحة، وأبي الأشعث الصنعاني، وأبي أسماء الرحبي، وغيرهم.
قال البرقي: روي عنه نحو من خمسين حديثا.
توفي ب «حمص» سنة (٥٤).
تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٢٩٦)، «الإصابة» (١/ ٢١٢)، «الثقات» (٣/ ٤٨)، «الاستيعاب» (١/ ٢١٨)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٧)، «العبر» (١/ ٥٩)، «در السحابة» (٧٥٩)، «صفة الصفوة» (٦٧٠)، «الحلية» (١/ ٣٥٠)، «التحفة اللطيفة» (١/ ٤٠١)، «الوافي بالوفيات» (١١/ ٢١)، «التاريخ الكبير» (٢/ ١٨١)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٤٦٩)، «تنقيح المقال» (١٥٧٨)، «الزهد» لوكيع (١٤٠)، «بقي بن مخلد» (٣٤)، «تهذيب الكمال» (١/ ١٧٦، ٤/ ٤١٣)، «تهذيب التهذيب» (٢/ ٣١)، «تقريب التهذيب» (١/ ١٢٠)، «مشاهير علماء الأمصار» (٣٢٤).
الله صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» «١». انتهى.
وعن عائشةَ- رضي اللَّه عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مَنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ، فَيَعْتَلِجَانِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» رواه الحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيحُ الإِسناد «٢»، وقوله «فَيَعْتَلِجَانِ»، أي: يتصارعان.
وعن سَلْمَانِ»
- رضي اللَّه عنه- قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ، وَالشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ»، رواه الحاكمُ أيضاً، وقال: صحيحُ الإِسناد «٤»، وعن ابْنِ عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من فتح له في
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٢)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ٤٥٣)، وابن الجوزي في «العلل» (٢/ ٣٥٩)، من طريق زكريا بن منظور، عن عطاف بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتعقّبه الذهبي فقال: زكريا بن منظور مجمع على ضعفه.
وقال ابن الجوزي: لا يصح، قال يحيى: زكريا ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك.
والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٤٩)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، والبزار، وفيه زكريا بن منظور، وثقه أحمد بن صالح المصري، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.
(٣) هو: سلمان بن الإسلام. وسلمان الخير، وسلمان الفارسي. أبو عبد الله. مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
كان اسمه قبل الإسلام: مابه بن بوذخشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك، من ولد آب الملك.
وأول مشاهده مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم الخندق، ولم يتخلف عن مشهد بعد الخندق، وآخى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء.
ومما ذكر في مناقبه قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: عليّ وعمار، وسلمان»، كان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم وذي القرب من رسول الله صلّى الله عليه وسلم. روى عنه ابن عباس، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد، وكعب بن عجرة، وأبو عثمان النهدي. وغيرهم.
توفي سنة (٣٥) آخر خلافة عثمان.
تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٤١٧)، «الإصابة» (٣/ ١١٣)، «الاستيعاب» (٢/ ٦٣٤)، «الاستبصار» (١٢٥)، «الرياض المستطابة» (١٠٢)، «حلية الأولياء» (٦/ ٣٦٧)، «الطبقات الكبرى» (٩/ ٨٤)، «صفة الصفوة» (١/ ٥٢٣)، «التاريخ الكبير» (٤/ ١٣٤)، «التاريخ الصغير» (١/ ٧١)، «تاريخ بغداد» (١/ ١٦٣)، «الكاشف» (١/ ٣٨٢)، «تاريخ جرجان» (٦٤، ١٣٨)، «التحفة اللطيفة» (١٦٧).
(٤) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٤)، من طريق عبد الله بن صالح، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي عامر الألهاني، عن أبي هريرة مرفوعا. -
الدُّعَاءِ مِنْكُمْ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ» «١»، قال الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه- في كتابِ «الإِحياء» :
«فإِن قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟ فاعلمْ أنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاء بالدعاءِ، فالدعاءُ سببٌ لردِّ البلاء، واستجلابٌ للرحمة كما أن التُّرْس سبب لردِّ السهم، ثم في الدعاءِ من الفائدة أنه يستدْعِي حضورَ القَلْب، مع اللَّه عزَّ وجلَّ، وذلك منتهى العبادَاتِ، فالدعاء يردّ القلب إلى الله عز وجلّ بالتضرُّع والاستكانةِ»، فانظره، فإِني اثرت الاختصار، وانظر «سِلاَحَ المُؤْمن» الذي منه نقلْتُ هذه الأحاديثَ.
ومن «جامع الترمذيِّ». عن أبي خُزَامَةَ «٢»، واسمه رفاعة، عن أبيه، قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر اللَّهُ» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيحٌ «٣».
| وانظر جوابَ عمر لأبي عُبَيْدة «نَعَمْ، نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه | » الحديث هو من هذا المعنى. انتهى، والله الموفق بفضله. |
قال ع «٥» : المعنى: فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو بابُ «استفعل»، أي: طلب
وأخرجه الترمذي (٣٣٨٢)، من طريق شهر بن حوشب، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي:
غريب.
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٨).
وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: المليكي ضعيف.
(٢) أبو خزامة. ذكره المؤلف (رحمنا الله وإياه) بغير نسبة، قال ابن الأثير: كان يسكن «الجناب»، وهي أرض عذرة. له صحبة، عداده من أهل «الحجاز». روى عن عطاء بن يسار.
ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٨٨)، و «الإصابة» (٧/ ٥١)، و «بقي بن مخلد» (٣١٩). [.....]
(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٩٩- ٤٠٠)، كتاب «الطب»، باب ما جاء في الرقى والأدوية، حديث (٢٠٦٥)، وابن ماجة (٢/ ١٣٧)، كتاب «الطب»، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث (٣٤٣٧).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) عبد الله بن واقد بن الحارث، الحنفي، أبو رجاء الهروي. عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وأبي هارون العبدي. وعنه إسحاق بن منصور السّلولي. وثقه أحمد وابن معين. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ١٠٨).
(٥) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٦).
الشيء إِلا ما شَذَّ مثل: استغنى اللَّهُ.
وقال مجاهد وغيره: المعنى: فليجيبوا لي فيما دعوتهم إِلَيْه من الإِيمان، أي:
بالطاعة، والعملِ «١».
فائدةٌ: قال صاحب «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأَعْظَم» وهو إِمام عارفٌ «٢» بعلْمِ الحديث، وكتابه هذا يَشْهَدُ له، قال: ذكر الدِّينَوَرِيُّ «٣» في «كتاب المُجَالَسَة»، عن ليثِ بنِ سُلَيْمٍ أن رجلاً وقَفَ على قوم، فقال: مَنْ عنده ضيافةٌ هذه الليلةَ، فسكَتَ القومُ، ثم عاد، فقالَ رجُلٌ أعمى: عندي، فذَهَبَ بِهِ إلى منزله، فعشَّاه، ثم حدَّثه ساعةً، ثم وضع لهُ وَضُوءاً، فقام الرجُلُ في جَوْف اللَّيْلِ، فتوضَّأ، وصلى ما قُضِيَ له، ثم جَعَلَ يدعو، فانتبه الأعمى، وجَعَلَ يسمع لدْعَائِهِ، فقال: اللَّهُمَّ، ربَّ الأرواحِ الفانيةِ، والأجسادِ الباليةِ، أسألُكَ بطَاعَةِ الأرواحِ الرَّاجعَةِ إلى أجسادها، وبطاعةِ الأَجْسَادِ الملتئمَةِ في عروقها، وبطاعة القُبُور المتشقِّقة عن أهلها، وبدَعْوتِكَ الصادقةِ فيهم، وأخذِكَ الحقَّ منهم، وتبريز الخلائقِ كلِّهم من مخافَتِكَ ينتظرُونَ قضاءَكَ، ويرْجُون رحمتَكَ، ويخافُونَ عذابَكَ، أَسأَلُك أنْ تَجْعَلَ النُّور في بَصَري، والإِخلاصَ في عَمَلِي، وشُكْرَكَ في قَلْبِي، وذِكْرَكَ في لِسَانِي في الليلِ والنهارِ، ما أبقيتَنِي، قال: فَحَفِظَ الأعمى هذا الدعاءَ، ثم قَامَ، فَتَوضَّأ، وصلى ركعتَيْنِ، ودعا به فأصْبَحَ قدْ رَد اللَّهُ عليه بَصَرَهُ. انتهى من «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظَم»، وإِطلاَقُ الفناءِ على الأرواحِ فيه تجوُّز، والعقيدةُ أن الأرواح باقيةٌ لا تفنى، وإِنَّما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفَنَاءِ، هذا هو مراده.
وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «إِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، وَبَعْضُهَا أوعى مِنْ بَعْضٍ، فادعوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، حِينَ تَدْعُونَ، وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ» «٤». انتهى.
«الاستجابة» الطاعة، وذكره ابن عطية (١/ ٢٥٦).
(٢) وهو الشيخ تاج الدين علي بن محمد بن الدريهم الموصلي، المتوفى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وكتابه هذا ذكره حاجي خليفة بعنوان «غاية المغنم في الاسم الأعظم»، وذكر عنه أنه أورد فيه من الأحاديث وأقوال العلماء. ينظر: «كشف الظنون» (١١٩٤).
(٣) «المجالسة» - لأحمد بن مروان الدينوري المالكي، المتوفى سنة ٣١٠ عشرة وثلاثمائة، ضمّنه من كتب الأحاديث والأخبار ومحاسن النوادر والآثار، ومنتفى الحكم والأشعار، وانتخب منه بعضهم وسماه «نخبة المؤانسة من كتاب المجالسة». ينظر: «كشف الظنون» (٢/ ١٥٩١).
(٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢/ ٢١).
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي
عادل أحمد عبد الموجود