ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية قوله تعالى كتب عليكم الصيام اى على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن. فصوم اللسان عن الكذب والفحش والغيبة. وصوم العين عن النظر في الغفلة والريبة. وصوم السمع عن استماع المناهي والملاهي وعلى هذا فقس الباقي. وصوم النفس عن التمني والحرص والشهوات. وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها. وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها. وصوم السر عن رؤية وجود غير الله وإثباته كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ هى اشارة الى ان اجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب كانت صائمة عن المشارب كلها فلما تعلق الروح بالقالب صارت اجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة امداد الروح بالقالب صارت اجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والحيوانية فالآن كتب عليهم الصيام وهم مركبون كما كتب على الذين من قبلكم من المفردات لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ من مشارب المركبات وتصومون فيها مع حصول استعداد الشراب ليفطروا عن مشارب يشرب بها عباد الله إذ أسقاهم ربهم شرابا طهورا فيطهركم طهورية هذا الشراب من دنس استدعاء الحظوظ الحيوانية والروحانية كما قال ولكن يريد ليطهركم فلما أفل كوكب استدعاء الحظوظ طلعت شمس استدعاء اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق انجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله (للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه) ثم اخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الاعداد في قوله أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ والاشارة فيها هو ان صومكم في ايام قلائل معدودة متناهية وثمرات صومكم في ايام غير معدودة ولا متناهية فلا يهولنكم سماع ذكره كذا في التأويلات النجمية شَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ خبره ما بعده فيكون المقصود من ذكر هذه الجملة المنبهة على فضله ومنزلته الاشارة الى وجه تخصيصه من بين الشهور بان فرض صومه ثم أوجب صومه بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ المعهود فَلْيَصُمْهُ وسمى الشهر شهرا لشهرته ورمضان مصدر رمض إذا احترق فاضيف اليه الشهر وجعل المجموع علما ومنع من الصرف للتعريف والالف والنون وانما سمى بذلك اما لارتماض الأكباد واحتراقها من الجوع والعطش واما لارتماض الذنوب بالصيام فيه او لوقوعه ايام رمض الحر اى شدة وقوعه على الرمل وغيره قيل انهم نقلوا اسماء الشهور من اللغة القديمة فسموها بالازمنة التي وقعت هي فيها وقت التسمية فوافق هذا الشهر ايام رمض الحر فسمى به كما يسمى بربيع لموافقته الربيع وجمادى لموافقته جمود الماء او رمضان اسم من اسماء الله تعالى والشهر مضاف اليه ولذلك روى (لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فان رمضان اسم من اسماء الله تعالى) الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ جملة الى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به جبريل نجوما في ثلاث وعشرين سنة حسبما تقتضيه المشيئة الربانية وعن النبي عليه السلام (نزلت صحف ابراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لاربع وعشرين) والقرآن من القرء وهو الجمع لانه مجمع علم الأولين والآخرين هُدىً لِلنَّاسِ اى انزل حال كونه هداية للناس الى سواء الصراط بما فيه من الاعجاز وغيره وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ اى وحال كونه آيات واضحات مما يهدى الى الحق ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والاحكام فالهدى على قسمين

صفحة رقم 292

ما يكون بينا جليا وما لا يكون كذلك والاول أفضل القسمين فذكر الجنس اولا ثم اردفه بأشرف نوعيه بل بالغ فيه فكأنه قيل انه هدى بل هو بين من الهدى ولا شك انه في غاية المبالغة لانه في المرتبة الثالثة فالعطف في وبينات من باب عطف التشريف فَمَنْ الفاء للتفريع والترتيب شَهِدَ اى حضر موضع الاقامة من المصر او القرية كائنا ذلك الحاضر مِنْكُمُ الشَّهْرَ منصوب على الظرف اى في الشهر دون المفعول به لان المقيم والمسافر يشهدان الشهر فَلْيَصُمْهُ اى فليصم فيه بحذف الجار وإيصال الفعل الى المجرور اتساعا والمراد بالشاهد العاقل البالغ الصحيح لان كل واحد من الصبى والمجنون يشهد موضع الاقامة في الشهر مع انه لا يجب عليهما الصوم وهذا اى الحتم ينسخ التخيير بين الصوم والإفطار والفداء وَمَنْ كانَ مَرِيضاً وان كان مقيما حاضرا فيه أَوْ عَلى سَفَرٍ وان كان صحيحا وعلى بمعنى في وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اى فعليه صيام ايام اخر وأعاد تخيير المريض والمسافر وترخيصهما فى الإفطار لان الله تعالى ذكر في الآية الاولى تخيير المقيم المطيق والمسافر والمريض ونسخ فى الثانية تخيير المقيم بقوله فَلْيَصُمْهُ فلو اقتصر على هذا احتمل ان يعود النسخ الى تخيير الجميع فاعاد بعض النسخ بترخيص المسافر والمريض ليعلم انه باق على ما كان يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ حيث أباح الفطر بالسفر والمرض واليسر ما تسهل وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ اى مشقة بالصوم في المرض والسفر لغاية رأفته وسعة رحمته قال محمد بن على الترمذي قدس سره اليسر اسم الجنة لان جميع اليسر فيها والعسر اسم جهنم لان جميع العسر فيها معناه يريد الله بصومكم إدخال الجنة ولا يريد بكم إدخال النار قال شيخنا العلامة الفضلى قدس سره في الآية ان مراده تعالى بان يأمركم بالصوم يسر الدارين لا عسرهما اما اليسر فى الدنيا فالترقى الى الملكية والروحانية والوصول الى اليقظة والمعرفة واما العسر فيها فالبقاء مع البشرية والحيوانية والاتصاف بالأوصاف الطبيعية والنفسانية واما اليسر في الآخرة فهو الجنة والنعمة والقربة والوصلة والرؤية واما العسر فيها فهو الجحيم وعذابها ودركاتها انتهى كلامه وقال نجم الدين في تأويلاته يعنى يريد الله بكم اليسر الذي هو مع العسر فلا تنظر في امتثال الأمر الى العسر ولكن انظر الى اليسر الذي هو مع العسر فان العاقل إذا سقاه الطبيب شرابا مرا أمر من بلاء المرض موجبا للصحة فلا ينظر العاقل الى مرارة الشراب ولكن ينظر الى حلاوة الصحة ولا يبالى بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة انتهى: قال السعدي قدس سره

وبالست دادن برنجور قند كه داروى تلخش بود سودمند
ز علت مدار اى خردمند بيم چوداروى تلخت فرستد حكيم
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ اى وانما أمرناكم بمراعاة العدة بعد إيجاب صوم رمضان كما قال تعالى فَعِدَّةٌ اى فعليكم عدة ما افطرتم لتكملوا عدد ايام الشهر بقضاء ما افطرتم بسبب مرضكم

صفحة رقم 293

او سفركم وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ اى انما علمناكم كيفية القضاء وهو المدلول عليه بقوله تعالى مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مطلقا فانه يجوز ان يقضى على سبيل التوالي او التفريق لتعظموا الله حامدين عَلى ما هَداكُمْ ما مصدرية اى على هدايته إياكم الى طريق الخروج عن عهده التكليف وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اى انما رخصنا لكم بالإفطار لكى تشكروا الله على هذه النعمة باللسان والقلب والبدن وفي الحديث (من حافظ على ثلاث فهو ولى الله حقا ومن ضيعهن فهو عدو الله حقا الصلاة والصوم والغسل من الجنابة) وفي بعض الخبر (ان الجنان يشتقن الى اربعة نفر صائمى رمضان وتالى القرآن وحافظى اللسان ومطعمى الجيران وان الله يغفر للعبد المسلم عند إفطاره ما مشت اليه رجلاه وما قبضت عليه يداه وما نظرت اليه عيناه وما سمعته أذناه وما نطق به لسانه وما حدث به قلبه) وفي الحديث (إذا كان يوم القيامة وبعث من في القبور اوحى الله الى رضوان انى أخرجت الصائمين من قبورهم جائعين عاطشين فاستقبلهم بشهواتهم من الجنان فيصيح ويقول أيها الغلمان والولدان عليكم باطباق من نور فيجتمع اكثر من عدد الرمل وقطرات الأمطار وكواكب السماء وأوراق الأشجار بالفاكهة الكثيرة والاشربة اللذيذة والاطعمة الشهية فيطعم من لقى منهم ويقول كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) وعن النبي عليه السلام (انه قال رأيت ليلة المعراج عند سدرة المنتهى ملكا لم ار مثله طولا وعرضا طوله مسيرة الف الف سنة وله سبعون ألف رأس في كل رأس سبعون الف وجه في كل وجه سبعون الف لسان وعلى كل رأس الف ذؤابة من نور وعلى كل ذؤبة الف الف لؤلؤة معلقة بقدرة الله تعالى وفي جوف كل لؤلؤة بحر من نور وفي ذلك البحر حيتان طول كل حوت مقدار مائتى عام مكتوب على ظهرهن لا اله الا الله محمد رسول الله وذلك الملك واضع احدى يديه على رأسه والاخرى على ظهره وهو في حظيرة القدس فاذا سبح اهتز العرش بحسن صوته فسألت عنه جبريل فقال هذا ملك خلقه الله تعالى قبل آدم بألفي عام فقلت اين كان هذا الى هذه الغاية فقال ان الله مرجا في الجنة عن يمين العرش فكان هو فيه فامره الله في ذلك المكان ان يسبح لك ولا متك بسبب صوم شهر رمضان فرأيت صندوقين بين يديه على كل صندوق الف قفل من نور وسألت جبريل عن الصندوقين فقال سل منه فسألته فقال ان فيهما براءة الصائمين من أمتك من عذاب النار طوبى لك ولامتك) اعلم انه لا بد من النية في الأعمال خصوصا في الصوم وهي ان يعلم بقلبه انه يصوم ولا يخلو مثلا عن هذا في ليالى شهر رمضان والإمساك قد يكون للعادة او لعدم الاشتهاء او للمرض او للرياضة او يكون للعبادة فلا يتعين له الا بالنية وهي شرط لكل يوم لان صوم كل يوم عبادة على حدة ألا يرى انه لو أفسد صوم يوم لا يمنع صحة الباقي بخلاف التراويح فانه لا يلزم النية في كل شفع لان الكل بمنزلة صلاة واحدة وهو الأصح وتجوز النية الى نصف النهار دفعا للحرج وما يروى من الأحاديث في نفى الصوم الا بالتثبيت فمحمولة على نفى الفضيلة بخلاف القضاء والكفارات والنذر المطلق لان الزمان غير متعين لها فوجب التثبيت نفيا للمزاحمة ويعتبر نصف النهار من طلوع الفجر الثاني فيكون الى الضحوة الكبرى فينوى قبلها ليكون الأكثر منويا فيكون له حكم الكل حتى لو نوى بعد

صفحة رقم 294

ذلك لا يجوز لخلو الأكثر عن النية تغليبا للاكثر والاحتياط في النية في التراويح ان ينوى التراويح او ينوى قيام الليل او ينوى سنة الوقت او قيام رمضان والتراويح سنة مؤكدة واظب عليها الخلفاء الراشدون قال عليه السلام (ان الله فرض عليكم الصيام وسننت قيامه) واما قول عمر رضى الله عنه نعمت البدعة هذه يعنى قيام رمضان فمعناه ان النبي ﷺ وان كان قد صلاها الا انه تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس إليها فمحافظة عمر عليها
وجمع الناس إليها وندبهم بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة كذا في تفسير القرطبي عند قوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فى الجزء الاول وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان ويقول (قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين وفيه ليلة خير من الف شهر من حرم خيرها فقد حرم) قال بعض العلماء هذا الحديث اصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان قال السخاوي في المقاصد الحسنة التهنئة بالشهور والأعياد مما اعتاده الناس وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما رفعه (من لقى أخاه عنده الانصراف من الجمعة فليقل تقبل الله منا ومنك) ويروى في جملة حقوق الجار من المرفوع (ان أصابه خير هنأه او مصيبة عزاه او مرض عاده) ومن آداب الصيام حفظ الجوارح الظاهرة وحراسة الخواطر الباطنة ولن يتم التقرب الى الله تعالى الا بترك ما حرم الله قال ابو سليمان الداراني قدس سره لأن أصوم النهار وأفطر الليل على لقمة حلال أحب الى من قيام الليل والنهار وحرام على شمس التوحيد ان تحل قلب عبد في جوفه لقمة حرام ولا سيما في وقت الصيام فليجتنب الصائم أكل الحرام فانه سم مهلك للدين والسنة تعجيل الفطور وتأخير السحور فان صوم الليل بدعة فاذا اخر الإفطار فكأنه وجد صائما في الليل فصار مرتكبا للبدعة كذا في شرح عيون المذاهب ولنا ثلاثة أعياد عيد الإفطار وهو عيد الطبيعة. والثاني عيد الموت حين القبض بالايمان الكامل وهو عيد كبير. والثالث عيد التجلي في الآخرة وهو اكبر الأعياد وروى الترمذي وصححه عن زيد بن خالد (من فطر صائما كان له مثل اجره من غير ان ينقص من اجر الصائم شىء) وكان حماد بن سلمة الامام الحافظ يفطر في كل ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانا وإذا كانت ليلة الفطر كساهم ثوبا ثوبا وكان يعد من الابدال واخرج السيوطي في الجامع الصغير والسخاوي في المقاصد عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما انه قال عليه السلام (خيار أمتي في كل قرن خمسمائة والابدال أربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا آخر) قالوا يا رسول الله دلنا على أعمالهم قال عليه السلام (يعفون عمن ظلمهم ويحسنون الى من اساءهم ويتواسون فيما أتاهم الله) وفي الحديث (من أشبع جائعا او كسا عاريا او آوى مسافرا أعاذه الله من اهوال يوم القيامة) وكان عبد الله بن المبارك ينفق على الفقراء وطلبة العلم في كل سنة مائة الف درهم ويقول للفضيل بن عياض لولاك وأصحابك ما اتجرت وكان يقول للفضيل وأصحابه لا تشتغلوا بطلب الدنيا اشتغلوا بالعلم وانا أكفيكم المئونة وكان يحيى البرمكي يجرى على سفيان الثوري كل شهر الف درهم وكان سفيان يدعو له في سجوده ويقول اللهم ان يحيى كفانى امر الدنيا

صفحة رقم 295

فاكفه امر آخرته فلما مات يحيى رآه بعض أصحابه في النوم فقال ما صنع الله بك قال غفر لى بدعاء سفيان: قال الصائب

تيره روزان جهانرا بچراغى درياب تا پس از مرگ ترا شمع مزارى باشد
جعلنا الله وإياكم من العالمين بمقتضى كتابه ومدلول خطابه وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي وجه اتصال هذه الآية بما قبلها ان الله تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكثير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على انه تعالى خبير بأحوالهم مطلع على ذكرهم وشكرهم سميع بأقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على أعمالهم تأكيدا له وحثا عليه وسبب النزول ما روى ان أعرابيا قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فقال تعالى ايماء الى سرعة اجابة الدعاء منهم إذا سألك عبادى عنى فَإِنِّي قَرِيبٌ اى فقل لهم انى قريب بالعلم والإحاطة فهو تمثيل لكمال علمه بافعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم فيكون لفظ قريب استعارة تبعية تمثيلية وانما لم يحمل على القرب الحقيقي وهو القرب المكاني لانه ممتنع في حقه تعالى لانه لو كان في مكان لما كان قريبا من الكل فان من كان قريبا من حملة العرش يكون بعيدا من اهل الأرض ومن كان قريبا من اهل المشرق يكون بعيدا من اهل المغرب وبالعكس قال ابو موسى الأشعري لما توجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الى خيبر اشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير لا اله الا الله والله اكبر فقال ﷺ (اربعوا على أنفسكم انكم لا تدعون أصم ولا غائبا انكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم) وهذا باعتبار المشارب والمقامات واللائق بحال اهل الغفلات الجهر لقلع الخواطر كما ان المناسب لاهل الحضور الخفاء: قال السعدي
دوست نزديكتر از من بمنست وين عجبتر كه من از وى دورم
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ تقرير للقرب المجازى المراد في هذا المقام وهو الحالة الشبيهة بالقرب المكاني وقد تقرر ان اثبات ما يلائم المستعار منه للمستعار له يرشح الاستعارة ويقررها وايضا وعد للداعى بالاجابة فان قلت انا نرى الداعي يبالغ في الدعوات والتضرع فلا يجاب قلت ان هذه الآية مطلقة والمطلق محمول على المقيد وهو قوله تعالى بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ فالمعنى أجيب دعوة الداع إذا دعانى ان شئت او إذا وافق القضاء او إذا لم يسأل محالا او كانت الاجابة خيرا له والاجابة إعطاء ما سئل والله تعالى يقابل مسألة السائل بالاسعاف ودعاء الداعي بالاجابة وضرورة المضطرين بالكفاية فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي اى فليجيبوا إذا دعوتهم للايمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعونى لمهماتهم واستجابه واستجاب له واجابه واحد قطع مسألته بتبليغة مراده وأصله من الجوب والقطع وَلْيُؤْمِنُوا بِي امر بالثبات على ما هم عليه قال ابن الشيخ الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام والايمان عبارة عن صفة القلب وتقديمها على الايمان يدل على ان العبد لا يصل الى نور الايمان وقوته الا بتقديم الطاعات والعبادات، ومعنى الفاء فيه انه تعالى قال انا أجيب دعاءك مع انى غنى عنك مطلقا فكن أنت ايضا مجيبا لدعائى مع انك محتاج الى من كل الوجوه فما أعظم

صفحة رقم 296

هذا الكرم لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ راجين إصابة الرشد وهو الاهتداء لمصالح الدين والدنيا ومعنى الآية انهم إذا استجابوا وآمنوا اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم لان الرشيد من كان كذلك اعلم ان عدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الشريعة والطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى؟؟ لمشاقه: وفي المثنوى

تا فرود آيد بلا بي دافعى چون نباشد از تضرع شافعى
فالتسبب واجب للعوام والمبتدئين في السلوك والتوكل أفضل للمتوسطين. واما الكاملون فليس يمكن حصر أحوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان- روى- ان ابراهيم الخليل عليه السلام لما القى في النار لقيه جبريل في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا فقال فاسأل الله الخلاص فقال عليه السلام حسبى من سؤالى علمه بحالي وهذا مقام اهل الحقيقة من المكملين الفانين عن الوجود وما يتعلق به والباقين بالرب في كل حال فأين أنت من هذا فاسأل الله عفوه ومغفرته وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكلم الناس بقدر مراتبهم ولذا قال لاعرابى أرسل
إبلا له توكلا عليه تعالى (اعقلها وتوكل على الله) امر بعقل الدابة لانه أراد بالتوكل التحرز عن الفوات وحث بعضهم على التوكل كتوكل الطير وذلك إذا لم يسكن الى سابق القضاء ثم اجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه ومن دعا بحاجة فلم تقض للحال فذلك لوجوه. منها ان الاجابة حاصلة لا محالة فان اجابة الدعوة غير قضاء الحاجة وقضاء الحاجة غير اجابة الدعوة فان اجابة الدعوة هو ان يقول العبد يا رب فيقول الله تعالى له لبيك عبدى وهذا موعود موجود لكل متوجه راشد وقضاء الحاجة إعطاء المراد وإيصال المرتاد وذلك قد يكون للحال وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة وقد يكون الخيرة له في غيره. ومنها ان الاجابة ليست بجهة واحدة بل لها جهات وفي الحديث (دعوة المسلم لا ترد الا لاحدى ثلاث اما ان يدعو بإثم او قطعية رحم واما ان يدخر له في الآخر واما ان يصرف السوء عنه بقدر ما دعا). ومنها ان الاجابة مقيدة بالمشيئة كما سبق. ومنها انه شرط لهذه الاجابة اجابة العبد إياه فيما دعاه اليه لقوله تعالى فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي. ومنها ان للدعاء شرائط وآدابا وهي اسباب الاجابة فمن استكملها كان من اهل الاجابة ومن اخل بها كان من اهل الاعتداء فلا يستحق الجواب والأسباب منها ما يتعلق باهل العموم ويطول ذكرها ان استوفيت هاهنا. ومنها ما يتعلق بالخصوص وهي التزكية فالاجابة موقوفة على تزكية الداعي فعليه ان يزكى البدن او لا فيصلحه بلقمة الحلال وقد قيل الدعاء مفتاح باب السماء وأسنانه لقمة الحلال وقال عليه السلام (الرجل يطيل السفر يمد يده الى السماء اشعث اغبر يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك) - حكى- انه كان بالكوفة أناس يستجاب دعاؤهم كلما دخل عليهم وال كانوا يدعون عليه فيهلك فدبر الحجاج الحيلة عليهم حين ولى عمل الكوفة من ابن مروان فدعاهم الى مأدبته فلما أكلوا قال امنت من دعائهم ان يستجاب حيث دخل في بطونهم طعام حرام ويزكى الداعي نفسه ويطهرها من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة لانها قاطعات لطريق الدعاء ويزكى قلبه عن رين التعلقات الانسانية من النفساني والروحاني ويصفيه بالاذكار وينوره بنور الأخلاق فان هذه اسباب

صفحة رقم 297

القربة بها يرفع الدعاء الى الله كما قال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ويزكى الروح عن دنس الالتفات لغير الله ليتعرض لنفخات الطافه ويزكى السر عن وصمة الشرك بان يوجهه الى الحق في الدعاء لطلب الحق لا لطلب غير الحق من الحق ليستجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه كما قال (ألا من طلبنى وجدنى ومن طلب غيرى لم يجدنى) وان الله وعد الاجابة على طلبه بالدعاء فقال أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ اى إذا طلبنى: قال السعدي

خلاف طريقت بود كاوليا تمنا كنند از خدا جز خدا
فمن اخل ببعض هذه الشرائط لم يلزمه الاجابة كمن اخل بركن من اركان الصلاة لم يلزمه القبول الا ان الجبار يجبر كل خلل وكسر يكون في اعمال العباد بفضله وكرمه وفي الحقيقة ان افضاله مع العباد مقدم على أعمالهم وانه يعطى قبل السؤال ويحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال والدعاء على قسمين داع بالدعاء وقارئ للدعاء فللداعى يفتح أبواب السموات حتى يبلغ دعاؤه العرش وقارئ الدعاء لا يبلغ الا الاذن قال الفنارى في تفسير الفاتحة ثم لصحة التصور وجودة الاستحضار اثر عظيم في الاجابة اعتبره النبي عليه الصلاة والسلام وحرض عليه عليا رضي الله تعالى عنه لما علمه الدعاء وفيه اللهم اهدني وسددنى فقال له اذكر بهدايتك هداية الطريق وبالسداد سداد السهم فامره باستحضار هذين الامرين وقت الدعاء فهذا هو سر اجابة دعاء الرسل والكمل والأمثل فالامثل واستقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى فى الاجابة فمن تصوره تصورا صحيحا من رؤية وعلم سابقين او حاضرين حال الدعاء ثم دعاه سيما بعد امره له بالدعاء والتزامه الاجابة فانه يجيبه لا محالة اما من زعم انه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الاجابة فلا يلومن الا نفسه إذ لم يناد القادر على الاجابة وانما توجه الى ما انشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه إذ ذاك لكن سؤاله قد
يثمر بشفاعة حسن ظنه بربه وشفاعة المعية الإلهية وحيطته فالمتوجه بالخطأ مصيب من وجه كالمجتهد المخطئ مأجور غير محروم بالكلية انتهى كلام الفنارى وفي رسالة القشيري في الخبر المروي (ان العبد يدعو الله سبحانه وهو يحبه فيقول يا جبريل اخر حاجة عبدى فانى أحب ان اسمع صوته وان العبد ليدعوه وهو يبغضه فيقول يا جبريل اقض حاجة عبدى فانى اكره ان اسمع صوته) - حكى- انه وقع ببغداد قحط فامر الخليفة المسلمين بالخروج للاستسقاء فخرجوا واستسقوا فلم يسقوا فامر اليهود فخرجوا وسقوا فتحيرا الخليفة ودعا علماء المسلمين وسألهم فلم يفرجوا عنه فجاء سهل ابن عبد الله وقال يا امير المؤمنين انا معاشر المسلمين أحبنا الله لدين الإسلام وهدانا ويحب دعاءنا وتضرعنا فلهذا لم يعجل اجابتنا وهؤلاء ابغضهم ولعنهم فلهذا عجل اجابتهم وصرفهم عن بابه قال عليه السلام (قوام الدنيا باربعة أشياء بعلم العلماء وعدل الأمراء وسخاوة الأغنياء ودعوة الفقراء) وينبغى ان يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى العظام والادعية المأثورة عن السلف الكرام وينبغى ان يتوسل الى الله تعالى بالأنبياء والأولياء الصالحين وللدعاء أماكن يظن فيها الاجابة مثلا عند رؤية الكعبة والمساجد الثلاثة وبين الجلالتين من سورة الانعام وفي الطواف وعند الملتزم وفي البيت وعند زمزم وعند شرب مائه وعلى الصفا والمروة

صفحة رقم 298

روح البيان

عرض الكتاب
المؤلف

إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء

الناشر دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية