شهر رمضان شهر مفاتحة الخطاب، شهر إنزال الكتاب، شهر حصول الثواب، شهر التقريب والإيجاب. شهر تخفيف الكلفة، شهر تحقيق الزلفة. شهر نزول الرحمة، شهر وفور النعمة.
شهر النجاة، شهر المناجاة.
قوله جل ذكره: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
أراد بك اليسر (وأنت تظن) أنه أراد بك العسر.
ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه (أقامه) «١» بطلب اليسر ولو لم يرد به اليسر لما جعله راغبا فى اليسر، قال قائلهم:
| لو لم ترد نيل ما أرجوا وأطلبه | من فيض جودك ما علمتنى الطلبا |
قوله جل ذكره: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ.
على لسان العلم تكملوا مدة الصوم.
وعلى لسان الإشارة لتقرنوا بصفاء الحال (وفاء) «٢» (المآل) «٣» ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون» فى النّفس الأخير، وتخرجوا من مدة عمركم بسلامة إيمانكم. والتوفيق فى أن تكمل صوم شهرك عظيم لكن تحقيق أنه يختم عمرك بالسعادة- أعظم.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٦]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)
(٢) جاءت (ووفاء) ونظن أن الواو الأولى زائدة من الناسخ.
(٣) جاءت (المال) وقد اعتاد الناسخ أن يكتب المال مثل المآل أي بدون علامة على المد، وآثرنا هنا أن نضعها، فالمقصود الإعداد لليوم الآخر بالطاعات والعبادات، وغاية التمام أن تجمع بين الحقيقة والشريعة. هذا فضلا عن أن الإشارة للصوفية، والصوفية قوم لا مال لهم.
سؤال كل أحد يدلّ على حاله لم يسألوا عن حكم ولا عن مخلوق ولا عن دين «١» ولا عن دنيا ولا عن عقبى بل سألوا عنه فقال تعالى: «وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي». وليس هؤلاء من جملة من قال: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ»، ولا من جملة من قال: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى»، ولا من جملة من قال: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ»، ولا من جملة من قال: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ»، ولا من جملة من قال: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ»، و «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ».
هؤلاء قوم مخصوصون: «وَإِذا سَأَلَكَ «٢».... عِبادِي عَنِّي».
أي إذا سألك عبادى عنى فبماذا تجيبهم؟ ليس هذا الجواب بلسانك يا محمد، فأنت وإن كنت السفير بيننا وبين الخلق فهذا الجواب أنا أتولاه «فَإِنِّي قَرِيبٌ» (رفع الواسطة من الأغيار عن القربة فلم يقل قل لهم إنى قريب بل قال جل شأنه: فإنى قريب) «٣».
ثم بيّن أن تلك القربة ما هى: حيث تقدّس الحقّ سبحانه عن كل اقتراب بجهة أو ابتعاد بجهة أو اختصاص ببقعة فقال: «أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ» وإن الحق سبحانه قريب- من الجملة والكافة- بالعلم والقدرة والسماع والرؤية، وهو قريب من المؤمنين على وجه التبرية والنصرة وإجابة الدعوة، وجلّ وتقدّس عن أن يكون قريبا من أحد بالذات والبقعة فإنه أحدىّ لا يتجه فى الأقطار، وعزيز لا يتصف بالكنه والمقدار.
قوله جل ذكره: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.
لم يعد إجابة من كان باستحقاق زهد أو فى زمان عبادة بل قال دعوة الداعي متى دعانى وكيفما دعانى وحيثما دعانى ثم قال: «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» هذا تكليف، وقوله:
| (٢) وضع الناسخ علامة تشعر بوجود كلمات زائدة بين (سألك) | (وعبادى) فحذفنا الزائدة. |
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني