قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس : كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون : اللهم اجعله عام غَيث وعام خصْب وعام ولاد حسن. لا يذكرون٦ من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ٧ وكان يجيء بعدهم آخرون [ من المؤمنين ]٨ فيقولون : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ فأنزل الله : أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
ولهذا مدح من يسأله للدنيا والأخرى، فقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار فجمعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا، وصرَفت كلّ شر فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلّ مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن١ من الفزع الأكبر في العَرَصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام٢.
وقال القاسم بن٣ عبد الرحمن : من أعطي قلبا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار.
ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري : حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" اللَّهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ٤.
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس٥ قال : كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يقول ]٦ :" اللهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار " ٧.
[ وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه ]٨.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن شداد - يعني أبا طالوت - قال : كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت : إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال : اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وتحدثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام، قال٩ : يا أبا حمزة، إن إخوانك يريدون القيام فادع لهم فقال : تريدون أن أشَققَ لكم الأمور، إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار فقد آتاكم الخير كله.
وقال أحمد أيضًا : حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، [ وعبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حميد ]١٠ عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رَجُلا من المسلمين قد صار مثل الفَرْخ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هل تدعو١١ الله بشيء أو تسأله إيَّاه ؟ " قال : نعم، كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سبحان الله ! لا تطيقه - أو لا تستطيعه - فهلا قلت : رَبَّنَا١٢ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ". قال : فدعا الله، فشفاه.
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي - به١٣.
وقال الإمام الشافعي : أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد - مولى السائب - عن أبيه، عن عبد الله بن السائب : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ١٤. ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك.
وروى ابن ماجة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو ذلك. وفي سنده ضعف١٥ والله أعلم.
وقال ابن مَرْدويه : حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكًا يقول : آمين. فإذا مررتم عليه فقولوا : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
وقال الحاكم في مستدركه : أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مُسْلم البطين، عن سعيد بن جبير قال : جاء رَجُل إلى ابن عباس فقال : إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يَدعُوني أحج معهم، أفيجزي ذلك ؟ فقال : أنت من الذين قال الله [ فيهم ]١٦ : أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ثم قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه١٧.
٢ في جـ: "في الحرام"، وفي أ: "واجتناب الحرام"..
٣ في أ، و: "قال القاسم أبو"..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٢٢)..
٥ في و: "حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سأل قتادة أنسا: أي دعوة كان أكثر يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم؟ "..
٦ زيادة من و..
٧ المسند (٣/١٠١)..
٨ زيادة من أ، و..
٩ في أ: "قالوا"..
١٠ زيادة من مسند الإمام أحمد (٣/١٠٧)..
١١ في جـ، ط: "هل كنت تدعو"..
١٢ في جـ، ط: "اللهم" وهو خطأ..
١٣ المسند (٣/١٠٧)..
١٤ ورواه البغوي في شرح السنة (٧/١٢٨) من طريق الشافعي به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٠١) "موارد" من طريق يحيى القطان عن ابن جريج به نحوه..
١٥ سنن ابن ماجة برقم (٢٩٥٧)..
١٦ زيادة من جـ..
١٧ المستدرك (٢/٢٧٧)..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة