٤٣- قال الشافعي رحمه الله : لما مضت بالنبي صلى الله عليه وسلم مدة من هجرته، أنعم الله فيها على جماعات باتباعه، حدثت لها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها، ففرض الله عليهم الجهاد، فقال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وقال تعالى : وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اِللَّهِ ١ مع ما ذكرته فرض الجهاد. ودل كتاب الله عز وجل، ثم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرض الجهاد على مملوك ولا أنثى ولا على من لم يبلغ، لقول الله تعالى : وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اِللَّهِ ٢ فحكم أن لا مال للمملوك وقال : حَرِّضِ اِلْمُومِنِينَ عَلَى اَلْقِتَالِ ٣ فدل على أنهم الذكور. وعُرِضَ ابن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُدٍ٤ وهو ابن أربع عشرة سنة فردَّه، وعُرِضَ عليه عام الخندق٥ وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه٦. وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة عبيد ونساء وغير بالغين فرضخ٧ لهم ؛ وأسهم لضعفاء أحرار وجرحى بالغين، فدل على أن السهمان إنما تكون لمن شهد القتال من الرجال الأحرار، فدل بذلك أن لا فَرْضَ على غيرهم في الجهاد. ( مختصر المزني : ٢٦٩. ون الأم : ٤/١٦١. وأحكام الشافعي : ٢/١٨. ومعرفة السنن والآثار : ٦/٤٩٧. )
ــــــــــــ
٤٤- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ٨ مع ما أوجب من القتال في غير آية من كتابه، وقد وصفنا أن ذلك على الأحرار المسلمين البالغين غير ذوي العذر بدلائل الكتاب والسنة.
فإذا كان فرض الجهاد على من فرض عليه محتملا لأن يكون كفرض الصلاة وغيرها عامًّا، ومحتملا لأن يكون على غير العموم، فدل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به، حتى يجتمع أمران : أحدهما، أن يكون بإزاء العدو المخوف على المسلمين من يَمْنَعْهُ، والآخر : أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوتان، أو يعطي أهل الكتاب الجزية.
قال : فإذا قام بهذا من المسلمين من فيه الكفاية به٩ خرج المتخلف منهم من المأثم في ترك الجهاد، وكان الفضل للذين ولوا الجهاد على المتخلفين عنه، قال الله عز وجل : لا يَسْتَوِى اِلْقَاعِدُونَ مِنَ اَلْمُومِنِينَ غَيْرَ أُوْلِى اِلضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اِللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اَللَّهُ اَلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى اَلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ١٠ الآية.
قال الشافعي : وبين إذا وعد الله عز وجل القاعدين ـ غير أولي الضرر ـ الحسنى أنهم لا يأثمون بالتخلف، ويوعدون الحسنى بالتخلف، بل وعدهم لما وسع عليهم من التخلف الحسنى إن كانوا مؤمنين لم يتخلفوا شَكًّا ولا سُوءَ نِيَّةٍ، وإن تركوا الفضل في الغزو. وأبان الله عز وجل في قوله في النفير حين أمرنا بالنفير : اِنفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً ١١ وقال عز وجل : اِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا اَلِيمًا ١٢ وقال تبارك وتعالى : وَمَا كَانَ اَلْمُومِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى اِلدِّينِ ١٣ الآية. فأعلمهم أن فرض الجهاد على الكفاية من المجاهدين.
قال الشافعي : ولم يغْزُ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاة علمتها إلا تخلف عنه فيها بَشَرٌ، فغزا بدرا وتخلف عنه رجال معروفون١٤. وكذلك تخلف عنه عام الفتح١٥، وغيره من غزواته صلى الله عليه وسلم ١٦.
وقال في غزوة تبوك، وفي تجهزه للجمْع للروم :« ليخرج من كل رجلين رجل فيخلف الباقي الغازي في أهله وماله »١٧.
قال الشافعي : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيوشا وسرايا تخلف عنها بنفسه١٨. مع حرصه على الجهاد على ما ذكرت.
قال الشافعي : وأبان أن لو تخلفوا معا أُثِمُوا معا بالتخلف بقوله عز وجل : اِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا اَلِيمًا ١٩ يعني ـ والله تعالى أعلم ـ إلا إن تركتم النفير كلكم عذبتكم. قال : ففرض الجهاد على ما وصفت يخرج المتخلفين من المأثم القائم بالكفاية فيه. ويأثمون معا إذا تخلفوا معا. ( الأم : ٤/١٦٧. )
٢ - التوبة: ٤١..
٣ - الأنفال: ٦٥..
٤ - غزوة أحد يوم السبت لسبع ليال خلوْن من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره صلى الله عليه وسلم الطبقات الكبرى: ٢/٣٦..
٥ - غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره صلى الله عليه وسلم. الطبقات الكبرى: ٢/٦٥..
٦ - أخرجه البخاري في الشهادات (٥٦) باب: بلوغ الصبيان وشهادتهم (١٨) (ر٢٥٢١). وفي المغازي (٦٧) باب: غزوة الخندق (٢٧)(ر٣٨٧١). ومسلم في الإمارة (٣٣) باب: بيان سن البلوغ (٢٣) (١٨٦٨). وأبو داود في الخراج، والترمذي في الجهاد، والنسائي في الطلاق، وابن ماجة في الحدود..
٧ - الرضخ: الكسر، وهو الأصل ثم يقال رضخ له إذا أعطاه شيئا ليس بالكثير، كأنه كسر له من ماله كسرة. معجم مقاييس اللغة: رضخ..
٨ - البقرة: ٢١٦..
٩ - يفهم من كلامه أن الجهاد واجب كفائي لا عيني. واستدل الشافعي عليه بقوله تعالى: وَكُلا وَعَدَ اَللَّهُ اَلْحُسْنى فوعد المتخلفين عن الجهاد الحسنى على الإيمان، وأبان فضيلة المجاهدين على القاعدين، ولو كانوا آثمين بالتخلف إذا غزا غيرهم كانت العقوبة بالإثم إن لم يعف الله أولى بهم من الحسنى. واستشهد بآيات وأحاديث أخرى. ن الرسالة ص: ٣٦٥. وتفسير الآية ١١١ من سورة التوبة..
١٠ - النساء: ٩٥. وتمامها: وَكُلا وَعَدَ اَللَّهُ اَلْحُسْنى وَفَضَّلَ اَللَّهُ اَلْمُجَاهِدِينَ عَلَى اَلْقَاعِدِينَ أَجْرا عَظِيمًا..
١١ - التوبة: ٤١..
١٢ - التوبة: ٣٩..
١٣ - التوبة: ١٢٢. وتمامها: وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُو إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ..
١٤ - أخرج البخاري في المغازي (٦٧) باب: حديث كعب بن مالك (٧٥) (ر٤١٥٦) عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.. الحديث.
وأخرجه مسلم في التوبة (٤٩) باب: توبة كعب بن مالك وصاحبيه (٩) (٢٧٦٩)..
١٥ - غزوة الفتح في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجره صلى الله عليه وسلم..
١٦ - أخرج البخاري في الجهاد (٦٠) باب: من حبسه العذر عن الغزو (٣٥) (ر٢٦٨٤) عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزاة فقال: « إن أقواما بالمدينة خلفنا، ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر» وفي باب: فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير (٣٨) (ر٢٦٨٨) عن زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا».
وأخرجه مسلم في الإمارة (٣٣) باب: إعانة الغازي في سبيل الله (٣٨) (ر١٨٩٥).
وأخرجه أبو داود في الجهاد (٩) باب: ما يجزئ من الغزو (٢١) (ر٢٥٠٩)..
١٧ - روى مسلم في الإمارة (٣٣) باب: فضل إعانة الغازي (٣٨) (ر١٨٩٦) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني لحيان: «ليخرج من كل رجلين رجل» ثم قال للقاعد: «أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج».
ورواه أبو داود في الجهاد (٩) باب: ما يجزئ من الغزو (٢١) (ر٢٥١٠).
ورواه البيهقي في السير باب: الإمام يُغْزِي ٩/٤٠ و ٩/٤٨..
١٨ - أخرجه البخاري في المغازي (٦٧) باب: السرية التي قِبل نَجْد (٥٤) (ر٤٠٨٣). وفي باب: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة (٥٥) (ر٤٠٨٤). وفي باب: سرية عبد الله بن حذافة السهمي (٥٦) (ر٤٠٨٥). وغير ذلك من الأبواب التي عقدها البخاري رحمه الله حول بعث الرسول صلى الله عليه وسلم جيوشه وسراياه إلى حيث أمرهم..
١٩ - التوبة: ٣٩..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي