فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا
تفسير المفردات :
والرجال : واحدهم راجل، وهو الماشي، والركبان : واحدهم راكب.
المعنى الجملي :
تقدم هاتين الآيتين آيات في الأحكام بعضها في العبادات وبعضها في المعاملات وكان آخرها ما بينه من السبيل القويم في معاملة الأزواج، وقد جرت سنة القرآن أن يأتي عقب الحكم والأحكام بالأمر بتقوى الله، والتذكير بعلمه بحال عباده، وما أعد لهم من جزاء العمل، حتى يقوى الوازع الديني في النفوس ويحفزها على الإخلاص فيه.
لكن النفوس قد تغفل عن هذا التذكير بانهماكها في مشاغل الحياة، أو في متعها باللذات، فتتنكب عن جادة الهدى، وتترفق بها السبل، ومن ثم كانت في حاجة إلى مذكر يرقى بها إلى العالم الروحي، ويخلعها من عالم الحس، ويوجهها إلى مراقبة من برأها وفطرها من تلك الأرجاس والأدران، وتترفع عن البغي والعدوان، وتميل إلى العدل والإحسان، ذلك المذكر هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتنفي الجزع والهلع عند المصايب، وتعلم البخيل الكرم والجود، لهذا أردف هذه الأحكام بطلب الصلاة والمحافظة عليها وأدائها على وجهها بإخبات وقنوت لتحدث في النفس آثارها
الإيضاح :
أي فإن خفتم أي ضرر من قيامكم قانتين لله، فصلوا كيف ما تيسر لكم راجلين أو راكبين.
وفي هذا تأكيد للمحافظة على الصلاة وبيان أنها لا تسقط بالحال، إذ حال الخوف على النفس أو المال أو العرض مظنة للعذر في تركها، كما يكون السفر عذرا في ترك الصيام.
والسبب في عدم سقوطها عن المكلف في كل حال، أنها عمل مذكر بسلطان الله المستولي علينا وعلى العالم كله، وما الأعمال الظاهرة إلا مساعدة على العمل القلبي المقصود بالذات، إذ من شأن الإنسان أنه إذا أراد عملا قلبيا يحتاج إلى جمع الفكر وحضور القلب أن يستعين على ذلك ببعض ما يناسبه من قول وعمل.
فإذا تعذر بعض الأعمال البدنية فلا تسقط العادة القلبية وهي الإقبال على الله مع الإشارة إلى تلك الأعمال بقدر المستطاع، ويكون ذلك حين قتال العدو أو الفرار من أسد فيصلي المكلف راجلا أو راكبا إن حان وقت الصلاة لا يمنعه من ذلك الفر والطعن والضرب، ويأتي من أقوال الصلاة وأفعالها بما يستطاع من ركوع وسجود ولا يلتزم التوجه للقبلة.
وستأتي صلاة الخوف كصلاة الجند المعسكر بإزاء العدو جماعة في سورة النساء.
فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ أي فإذا زال الخوف وأمنتم فاشكروه على الأمن واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع على لسان نبيه، كيف تصلون حين الأمن وحين الخوف.
تفسير المراغي
المراغي