ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْقُنُوتَ هُوَ الدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ أَمْرٌ بِمَا فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْفِعْلِ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْقُنُوتُ عَلَى كُلِّ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنَ الذِّكْرِ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَقُومُوا لِلَّهِ ذَاكِرِينَ دَاعِينَ مُنْقَطِعِينَ إِلَيْهِ وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْقُنُوتِ هُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزُّمَرِ: ٩] وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْوِتْرِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَنَتَ عَلَيَّ فُلَانٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قانِتِينَ أَيْ مُطِيعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: مَا
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الطَّاعَةُ»
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي أَزْوَاجِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [النِّسَاءِ: ٣٤] وَقَالَ فِي كُلِّ النِّسَاءِ: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ [النِّسَاءِ: ٣٤] / فَالْقُنُوتُ عِبَارَةٌ عَنْ إِكْمَالِ الطَّاعَةِ وَإِتْمَامِهَا، وَالِاحْتِرَازُ عَنْ إِيقَاعِ الْخَلَلِ فِي أَرْكَانِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا، وَهُوَ زَجْرٌ لِمَنْ لَمْ يُبَالِ كَيْفَ صَلَّى فَخَفَّفَ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يُجْزِئُ وَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلَّهِ إِلَى صَلَاةِ الْعِبَادِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ رَأْسًا، لِأَنَّهُ يُقَالُ: كَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْكَثِيرِ مِنْ عِبَادَتِنَا، فَكَذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَلِيلِ وَقَدْ صَلَّى الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرُّسُلُ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ فَأَطَالُوا وَأَظْهَرُوا الْخُشُوعَ وَالِاسْتِكَانَةَ وَكَانُوا أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: قانِتِينَ سَاكِتِينَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ فَيُسَلِّمُ الرَّجُلُ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ، وَيَسْأَلُهُمْ: كَمْ صَلَّيْتُمْ؟ كَفِعْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَنَزَّلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ: الْقُنُوتُ عِبَارَةٌ عَنِ الْخُشُوعِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ وَسُكُونِ الْأَطْرَافِ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ مِنْ هَيْبَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يَهَابُ رَبَّهُ فَلَا يَلْتَفِتُ وَلَا يقلب الحصى، ولا يبعث بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ، وَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَنْصَرِفَ.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: الْقُنُوتُ هُوَ الْقِيَامُ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ
بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ طُولُ الْقُنُوتِ»
يُرِيدُ طُولَ الْقِيَامِ، وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، وَإِلَّا صَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَقُومُوا لِلَّهِ قَائِمِينَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: وَقُومُوا لِلَّهِ مُدِيمِينَ لِذَلِكَ الْقِيَامِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْقُنُوتُ مُفَسَّرًا بِالْإِدَامَةِ لَا بِالْقِيَامِ.
الْقَوْلُ السَّادِسُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى: أَنَّ الْقُنُوتَ عِبَارَةٌ عَنِ الدَّوَامِ عَلَى الشَّيْءِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ وَالْمُلَازَمَةِ لَهُ وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ صَارَ مُخْتَصًّا بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: وَقُومُوا لِلَّهِ مُدِيمِينَ عَلَى ذَلِكَ الْقِيَامِ فِي أَوْقَاتِ وُجُوبِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ والله تعالى أعلم.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٩]
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)

صفحة رقم 488

اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالْقِيَامَ عَلَى أَدَائِهَا بِأَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا، بَيَّنَ مِنْ بَعْدُ أَنَّ هَذِهِ الْمُحَافَظَةَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ لَا تَجِبُ إِلَّا مَعَ الْأَمْنِ دُونَ الخوف، فقال: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا/ أَوْ رُكْباناً وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: يُرْوَى فَرِجالًا بِضَمِّ الرَّاءِ ورجالا بالتشديد ورجلا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْنَى الْآيَةِ: فَإِنْ خِفْتُمْ عَدُوًّا فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فَإِنْ كَانَ بِكُمْ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ عِنْدَ حُصُولِ الْخَوْفِ، سَوَاءٌ كَانَ الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَوَاتَ الْوَقْتِ إِنْ أَخَّرْتُمُ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ تَفْرُغُوا مِنْ حَرْبِكُمْ فَصَلُّوا رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ فَرْضِ الْوَقْتِ حَتَّى يُتَرَخَّصَ لِأَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الرِّجَالِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: رِجَالًا جَمْعُ رَاجِلٍ مِثْلَ تِجَارٍ وَتَاجِرٍ وَصِحَابٍ وَصَاحِبٍ وَالرَّاجِلُ هُوَ الْكَائِنُ عَلَى رِجْلِهِ مَاشِيًا كَانَ أَوْ وَاقِفًا وَيُقَالُ فِي جَمْعِ رَاجِلٍ: رَجُلٌ وَرِجَالَةٌ وَرِجَّالَةٌ وَرِجَالٌ وَرِجَّالٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ الْجَمْعِ، لِأَنَّ رَاجِلًا يُجْمَعُ عَلَى رَاجِلٍ، ثُمَّ يُجْمَعُ رَجُلٌ عَلَى رِجَالٍ، وَالرُّكَبَانُ جَمْعُ رَاكِبٍ، مِثْلُ فُرْسَانٍ وَفَارِسٍ، قَالَ الْقَفَّالُ: وَيُقَالُ إِنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ رَاكِبٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى جَمَلٍ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى فَرَسٍ فَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ فَارِسٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: رِجَالًا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَصَلُّوا رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: صَلَاةُ الْخَوْفِ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِي حَالِ الْقِتَالِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَالثَّانِي:
فِي غَيْرِ حَالِ الْقِتَالِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النِّسَاءِ: ١٠٢] وَفِي سِيَاقِ الْآيَتَيْنِ بَيَانُ اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِذَا الْتَحَمَ الْقِتَالُ وَلَمْ يُمْكِنْ تَرْكُ الْقِتَالِ لِأَحَدٍ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ رُكْبَانًا عَلَى دَوَابِّهِمْ وَمُشَاةً عَلَى أَقْدَامِهِمْ إِلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ وَيَحْتَرِزُونَ عَنِ الصَّيْحَاتِ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَلِّي الْمَاشِي بَلْ يُؤَخِّرُ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً يَعْنِي مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْخَوْفَ الَّذِي تَجُوزُ مَعَهُ الصَّلَاةُ مَعَ التَّرَجُّلِ وَالْمَشْيِ وَمَعَ الرُّكُوبِ وَالرَّكْضِ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، فَصَارَ قَوْلُهُ: فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً يَدُلُّ عَلَى التَّرَخُّصِ/ فِي تَرْكِ التَّوَجُّهِ، وَأَيْضًا يَدُلُّ عَلَى التَّرَخُّصِ فِي تَرْكِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى الْإِيمَاءِ لِأَنَّ مَعَ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ مِنَ الْعَدُوِّ لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ وَقَفَ فِي مَكَانِهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا دَلَالَةُ رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ، وَعَلَى جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِيمَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلْنَتَكَلَّمْ فِيمَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَفِيمَا لَا يَسْقُطُ، فَنَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ الصَّلَاةَ إِنَّمَا تَتِمُّ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا: فِعْلُ الْقَلْبِ وَهُوَ النِّيَّةُ، وَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَدَّلُ حَالُ الْخَوْفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَالثَّانِي: فِعْلُ اللِّسَانِ

صفحة رقم 489

وَهِيَ الْقِرَاءَةُ، وَهِيَ لَا تَسْقُطُ عِنْدَ الْخَوْفِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَكَلَّمَ حَالَ الصَّلَاةِ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ يَأْتِيَ بِصَيْحَاتٍ لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهَا وَالثَّالِثُ: أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ فَنَقُولُ: أَمَّا الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ فَسَاقِطَانِ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ وَأَمَّا الِاسْتِقْبَالُ فَسَاقِطٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَالْإِيمَاءُ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا، فَيَجِبُ أَنْ يَجْعَلَ الْإِيمَاءَ النَّائِبَ عَنِ السُّجُودِ أَخْفَضَ مِنَ الْإِيمَاءِ النَّائِبِ عَنِ الرُّكُوعِ، لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مُمْكِنٌ، وَأَمَّا تَرْكُ الطَّهَارَةِ فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَجْلِ الْخَوْفِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّطْهِيرُ بِالْمَاءِ أَوِ التُّرَابِ، إِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَامْتَنَعَ عليه التوضي بِهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالْغُبَارِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنْهُ حَالَ رُكُوبِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ خَوْفُ الْعَطَشِ يُرَخِّصُ التَّيَمُّمَ، فَالْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ أَوْلَى أَنَّ يُرَخِّصَ فِي ذَلِكَ، فَهَذَا تَفْصِيلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَاعْتِمَادُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى
قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَوَجَبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ أَيْضًا.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لَمْ يَبْلُغِ الْخَوْفُ هَذَا الْحَدَّ وَمَعَ ذلك فإنه صلى الله عليه وسلّم أخرى الصَّلَاةَ فَعَلِمْنَا كَوْنَ هَذِهِ الْآيَةِ نَاسِخَةً لِذَلِكَ الْفِعْلِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْخَوْفِ الَّذِي يُفِيدُ هَذِهِ الرُّخْصَةَ وَطَرِيقُ الضَّبْطِ أَنْ نَقُولَ: الْخَوْفُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْقِتَالِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ، أَمَّا الْخَوْفُ فِي الْقِتَالِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي قِتَالٍ وَاجِبٍ، أَوْ مُبَاحٍ، أَوْ مَحْظُورٍ، أَمَّا الْقِتَالُ الْوَاجِبُ فَهُوَ كَالْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَفِيهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ، قَالَ تَعَالَى: فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الْحُجُرَاتِ: ٩] وَأَمَّا الْقِتَالُ الْمُبَاحُ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْمَحَاسِنِ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: إِنَّ دَفْعَ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ مُبَاحٌ غَيْرُ وَاجِبٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَصَدَ الْكَافِرُ نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ لِئَلَّا يَكُونَ إِخْلَالًا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَمَّا الْقِتَالُ فِي الدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ وَفِي الدَّفْعِ عَنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ صَلَاةُ الْخَوْفِ، أَمَّا قَصْدُ أَخْذِ مَالِهِ، أَوْ إِتْلَافِ حَالِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ/ الْخَوْفِ، فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَصَحُّ أَنْ يَجُوزَ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ
بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»
فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الدَّفْعَ عَنِ الْمَالِ كَالدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ حُرْمَةَ الزَّوْجِ أَعْظَمُ، أَمَّا الْقِتَالُ الْمَحْظُورُ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ فِيهِ صَلَاةُ الْخَوْفِ، لِأَنَّ هَذَا رُخْصَةٌ وَالرُّخْصَةُ إِعَانَةٌ وَالْعَاصِي لَا يَسْتَحِقُّ الْإِعَانَةَ، أَمَّا الْخَوْفُ الْحَاصِلُ لَا فِي الْقِتَالِ، كَالْهَارِبِ مِنَ الْحَرْقِ وَالْغَرَقِ وَالسَّبُعِ وَكَذَا الْمُطَالِبِ بِالدِّينِ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا خَائِفًا مِنَ الْحَبْسِ، عَاجِزًا عَنْ بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ، فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَذِهِ الصَّلَاةَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ حَالَ الْمُقَاتَلَةِ.
قُلْنَا: هَبْ أَنَّهُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ هُنَاكَ دفعا للضرر، وهذا المعنى قائم هاهنا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مَشْرُوعًا وَاللَّهُ أعلم.
المسألة السابعة: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمُ الصَّلَاةَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعٌ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْخَوْفِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَتْرُوكٌ.

صفحة رقم 490

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية