٢٤٣- قوله تعالى :( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف حذر الموت ) الآية |البقرة : ٢٤٣|.
قيل١ : إنهم فروا من الطاعون وقالوا نأتي أرضا لا موت فيها فأماتهم الله، فمر عليهم نبئ فدعا الله تعالى فأحياهم. ويروى أنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل : إنهم أحيوا بعد أن نتنوا، وكانوا من بني إسرائيل فتلك الرائحة توجد فيهم إلى يومنا.
وقيل : إنهم فروا من القتال فأماتهم الله، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد. فقال : وقاتلوا في سبيل الله.
وقد كره قوم الفرار من الطاعون والوباء والأراضي السقيمة٢. واستدلوا بهذه الآية، وقد اشتهر حديث عمر –رضي الله عنه- في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة، ورجوعه من أجل الوباء، واختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك عليه. وما رواه عبد الرحمان بن عوف من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :'إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " فقيل : إن عمر -رضي الله عنه- رجع عنه بحديث عبد الرحمان٣. وقيل : إنما حدثه به بعد أن كان قد عزم على الرجوع بما أشار به عليه مشيخة الفتح.
وقال بعضهم : نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القدوم عليه والفرار منه نهي أدب وإرشاد من ناحية قوله –عليه السلام- : " لا يرد الممرض على المصح، وليحل٤ المصح حيث شاء " ٥. لئلا يقع بنفسه إن قدم عليه فأصابه قدر أنه إن لم يقدم عليه لنجا منه. وأما إن قدم عليه موقنا بالقدر فهو مأجور على ذلك. وإن خالف النهي لأنه ليس بنهي تحريم، قال فعلى هذا هو مخير. وقد قيل سئل مالك عن ذلك في " جامع العتبية " ٦ فقال : إن شاء قدم عليه وذكر الحديث.
قال : وكذلك الخروج عنه جائز إلا أنه مكروه لمخالفة الحديث والمقام أفضل ؛ للحديث والاستسلام للقدر.
وقد روى الزهري أن عمرو بن العاص حين أصاب الناس طاعون بالجابية٧ قام بينهم فقال تفرقوا عنه فإنما هو نار. فقام معاذ فقال : لقد كنت فينا وأنت أضل من حمار أهلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هو رحمة لهذه الأمة " اللهم اذكر معاذا فيمن تذكره في هذه الرحمة٨. فمات في طاعون عمواس.
وروي عن عمرو أنه٩ قال : إنه رجس فتفرقوا عنه فقال شرحبيل بن حسنة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم فلا تفرقوا عنه " وأراد بقوله : " دعوة نبيكم " قوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون " ووجه ما ذهب إليه عمر هو مخافة أن يصيب الإنسان بالمقام قدر فيقول القائل لو خرج لنجا.
فيحصل على هذا في : الأفضل من القدوم على الوباء، أو الخروج عنه، أو ترك ذلك بعد القول بأنه لا إثم ولا حرج في شيء من ذلك، ثلاثة أقوال :
أحدهما : أن الأفضل أن يقدم وألا يخرج وهو مذهب من أشار على عمر –رضي الله عنه- أن يقدم لأنه إذا رأى القدوم عليه فأحرى ألا يرى الخروج عنه.
والثاني : ألا يقدم وأن يخرج عنه وهو مذهب عمر –رضي الله عنه-.
والثالث : الأفضل ألا يقدم عليه، وألا يخرج عنه على حديث عبد الرحمان وهو أرجح الأقوال١٠.
قال أبو الحسن : ولا نعلم خلافا أن الكفار، وقطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة، لا طاقة لأهلها بهم١١ أن لهم أن يتنحوا من بين أيديهم، وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص١٢.
ومن هذا مسألة : العدو يأخذ مركبا فيه المسلمون فيلقون أنفسهم في البحر ؛ فرارا من العدو وطمعا في النجاة. وقد اختلف في ذلك بالجواز والكراهة.
ومن هذا النوع عندي الفرار وقت الزلزلة فانظره.
٢ في ب "السخيمة"..
٣ يراجع حديث ابن عباس في هذا في صحيح البخاري في الطب (٥٧٢٩) وفي الحيل (٦٩٧٣) ومسلم في السلام (٢٢١٩)..
٤ في ب "وليمض"..
٥ أخرجه البخاري في الطب، عن أبي هريرة (٥٧٧١) ومسلم في السلام (٢٢٢١) مقتصرين على الجملة الأولى فقط. وهذه الزيادة رواها مالك بلاغا في الموطأ (٢/٥٣٥/٢٧٢٤) في ثنايا حديث وهو حديث ضعيف يراجع كلام ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/١٨٨، ١٨٩) والبيهقي في السنن (٧/٢١٧) وتعليقنا على مسند الموطأ للجوهري (ص٦٢٨/ رقم ٨٤٧)..
٦ ينظر البيان والتحصيل لابن رشد (١٧/ ٣٩٦ – ط دار الغرب)..
٧ موضع الشام وهو جابية الملوك يراجع معجم ما استعجم (٢/٣٥٥)..
٨ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/٢٤٨) وصححه الحافظ بطرقه وشواهده فيراجع فتح الباري (١٠/٧٨٧، ١٨٨)..
٩ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٩٥، ١٩٦) والطحاوي في شرح المعاني (٤/٣٠٦) بسند صحيح كما قال الحافظ في الفتح (١٠/١٨٧) وللحديث طرق أخرى عند أحمد تراجع هناك..
١٠ أخرجه أحمد في المسند (٤/٢٣٨) والحاكم في المستدرك (٢/٩٣) من حديث أبي بردة بن قيس أخي موسى الأشعري مرفوعا بنحوه وصححه الحاكم وقواه الحافظ ابن حجر (١٠/١٨٢)..
١١ يراجع في هذا التمهيد لابن عبد البر (٦/٢٠٩ -٢١٧) و (٨/٣٧١، ٣٧٢) وفتح الباري لابن حجر (١٠/١٨٠ -١٩٤)..
١٢ في أحكام القرآن للهراسي "لأهلها بالقاصدين"..
أحكام القرآن
ابن الفرس