أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ( ٢٤٣ ) وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٢٤٤ ) .
المعنى الجملي :
بعد أن ذكر سبحانه الأحكام الماضية وقرنها بعللها وأسبابها، وفوائدها ومنافعها، ووجه أنظار المخاطبين عقب كل منها إلى الخوف والخشية من الرب والخالق لكل شي، العالم بكل شيء – قفى هذا بذكر بعض الأخبار عمن سلف من الأمم للعبرة والعظة في سياق واقعة مضت تنويعا في التذكير والبيان.
والأحكام السالفة تتعلق بالأفراد في أنفسهم وفي بيوتهم، والحكمان الآتيان يتعلقان بالأمم من ناحية الدفاع عن استقلالها وحفظ كيانها بمدافعة المعتدين عليها، وبذل المال والروح في توفير منافعها، وجلب الخير لها. وقد جرت العادة بأن التذكير بمنافع الشخص ومصالحه كافية في العمل بما يوعظ به، إذ أنها وفق ما يهوى، فلها في النفس عون أيما عون، أما المصالح العامة فالرغبة فيها قليلة، فتحتاج إلى العناية في الدعوة إليها وتكرار الطلب لها، ومن ثم جاءت هذه الآية على هذا النسق الرائع، والأسلوب الخلاب، لتدعو المخاطبين إلى تلبية الدعوة والقيام بما يجب من النصرة، وتكون المصلحة العامة صنو المنفعة الخاصة، وما يحفظ بقاء الجماعة عدل ما يحفظ نظام الفرد والأسرة
الإيضاح :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ الخطاب في نحو هذا يوجه إلى كل من بلغه وسمعه، والاستفهام للتعجيب والاعتبار، والرؤية بمعنى العلم، وهذا أسلوب جار مجرى المثل يخاطب به من لم ير ومن لم يعلم، ويراد معنى – ألم ينته علمك إلى كذا، والمقصد هنا – ألم يصل إلى علمك حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وحالهم بلغت من العجب مبلغا لا ينبغي لمثلها أن تجهل – إذ هم قوم بلغوا حدا من الكثرة التي تدعوا إلى الشجاعة واطمئنان النفس والدفاع عن الحمى، لا إلا الهلع والجزع وخور العزيمة والهرب من الوطن خوفا من الموت بمهاجمة الأعداء، هذا هو الخوف والحذر الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء، فيخيل إليهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت، وما هو إلى وسيلة تدني إليه، فهو يمكن العدو من الرقاب، ويحفزه إلى الفتك بهم، واستهانة أمرهم كما قال المتنبي :
يرى الجبناء أن الجبن حرم وتلك خديعة الطبع اللئيم
والكتاب الكريم لا يبين لنا عدد هؤلاء القوم ولا أمتهم ولا بلدهم، ولا علم أن في ذلك خيرا لنا للتفضل علينا ببيانه في محكم كتابه فنكتفي بما فيه، ولا ندخل في تفاصيل ذكرت في إسرائيليات هي إلى الأوهام والخرافات أقرب منها إلى الحقائق التي تصلح للعبرة، وتكون وسيلة إلى الموعظة.
ويرى جمع من المفسرين منهم ابن كثير بسنده عن ابن جرير وعطاء – أن هذا مثل لا قصة واقعة، ضرب للعظة والتأمل فيما ينطوي عليها، ليكون أفعل في النفس وأدعى إلى الزجر.
فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ أي خرجوا هاربين فأماتهم الله، بأن مكن منهم العدو ففتك بهم، وقتل أكثرهم وفرق شملهم، وأصبح من بقي منهم خاضعا للغالب، منضويا تحت لوائه، يصرف بحسب إرادته ولا وجود له في نفسه ثم أحياهم بعود الاستقلال إليهم، بعد أن جمعوا كلمتهم، ووثقوا رباطهم، واعتزوا وكثروا، وخرجوا من ذل العبودية إلى رياض الحرية، وكان ما أصابهم تأدبا لهم ومطهرا لنفوسهم مما عرض لهم من ذميم الأخلاق ورذيل السجايا.
وقد جرت سنة الله في خلقه أن تموت الأمم باحتمالها الظلم، وقبولها الجور والعسف، حتى إذا أفاقت من سباتها وتنبهت من غفلتها، قام بعض أفرادها بتدارك ما فات، والاستعداد لما يرقي شأنها، وتبذل في ذلك كل ما ارتخص وغلا، وتتلمس كل الوسائل التي تحقق لها ما تصبوا إليه، ولا يصدها عن ذلك ما يحول دونها من العوائق حتى تفوز ببغيتها وتنال أمنيتها، ومن ثم أثر عن علي كرم الله وجهه أنه قال :( بقيت السيف هي الباقية )، أي هي التي يحيى بها أولئك الميتون.
وعلى هذا الموت والحياة واقعان على القوم في مجموعهم على ما عهد في أسلوب القرآن، إذ خاطب بني إسرائيل في زمن التنزيل بما كان من آباءهم الأولين لمثل قوله : وإذ نجيناكم من آل فرعون وقوله : ثم بعثناكم من بعد موتكم وسر هذا التقرير وحدة الأمة وتكافلها، وتأثير سيرة بعض أفرادها في بعض حتى كأنها شخص واحد، وكل جماعة فيها كعضو فيه، وهذا استعمال معهود في كلام العرب يقولون : هجمنا على بني فلان حتى أفنيناهم، ثم أجمعوا أمرهم وكروا علينا، ولا شك أن الذي كر إنما هو من بقي منهم.
وإطلاق الحياة على حال الأمة المعنوية الشريفة في الأشخاص والأمم، والموت على مقابلها، معهود في القرآن كقوله :
يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ولرسوله إذا دعاكم لما يحييكم وقوله : أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها .
إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ جميعا بما جعل في موتهم من الحياة، فقد جعل المصايب محيية للهمم، كما جعل الجبن والهلع وغيرهما من مفاسد الأخلاق سببا في ضعف الأمم، وجعل ضعفها مغريا بالاعتداء عليها، وجعل هذا الاعتداء منبها لها إلى اليقظة بعد السبات العميق، حتى تحيى وتكون أمة عزيزة مرهوبة الجانب، قوية البطش والشوكة.
والخلاصة – إن إماتة الأمم إنما تكون بتسليط الأعداء عليها والتنكيل بها، وإحيائها يكون بإحياء نبتة من أبناءها تسترد ذلك المجد الضائع، والشرف المسلوب كالبنيان القديم الذي تقضي الضرورة لإزالته وإقامة بناء جديد تدعوا الحاجة إلى عمل مثله أو كالعضو الفاسد الذي يبتره الطبيب ليسلم الجسد كله.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ أي لا يقومون بحقوق هذه النعم، بل هم في غفلة من حكمة ربهم، فينبغي للمؤمنين أن يعتبروا بما نزل بغيرهم، ويستفيدوا من حوادث الكون، حتى إذا نزل بهم البلاء بما يقع منهم من التفريط، لا يقصروا في حماية أنفسهم، علما منهم بأن الحياة العزيزة لا تكون إلا بدفع المعتدي ومقاومة عدوانه، هذا خلاصة ما اختاره الأستاذ الإمام تفسيرا للآية.
واختار غيره أن الآية تشير إلى قوم بأعيانهم خرجوا من ديارهم، ورووا عن ابن عباس أن ملكا من ملوك بني إسرائيل استنفر عسكره للقتال فأبوا وقالوا : إن الأرض التي سنذهب إليها موبوءة، فدعنا حتى يزول الوباء، فأماتهم الله ثمانية أيام حتى انتفخوا، وعجز بنوا إسرائيل عن دفنهم لكثرتهم، فأحياهم الله وقد بقي منهم شيء من ذلك النتن وقالوا إن هذا الموت لم يكن كالموت الذي يكون وراءه الحياة للبعث والنشور وإنما هو نوع انقطاع لتعلق الروح بالجسد حيث لا يلحقه التغيير والفساد، وهو فوق داء السكتة والإغماء الشديد، حتى لا يشك الرائي الحاذق لو رآه بأنه موت حقيقي.
وقيل إنه من خوارق العادات فلا يجري على سنن الموت الطبيعية.
المعنى الجملي :
بعد أن ذكر سبحانه الأحكام الماضية وقرنها بعللها وأسبابها، وفوائدها ومنافعها، ووجه أنظار المخاطبين عقب كل منها إلى الخوف والخشية من الرب والخالق لكل شي، العالم بكل شيء – قفى هذا بذكر بعض الأخبار عمن سلف من الأمم للعبرة والعظة في سياق واقعة مضت تنويعا في التذكير والبيان.
والأحكام السالفة تتعلق بالأفراد في أنفسهم وفي بيوتهم، والحكمان الآتيان يتعلقان بالأمم من ناحية الدفاع عن استقلالها وحفظ كيانها بمدافعة المعتدين عليها، وبذل المال والروح في توفير منافعها، وجلب الخير لها. وقد جرت العادة بأن التذكير بمنافع الشخص ومصالحه كافية في العمل بما يوعظ به، إذ أنها وفق ما يهوى، فلها في النفس عون أيما عون، أما المصالح العامة فالرغبة فيها قليلة، فتحتاج إلى العناية في الدعوة إليها وتكرار الطلب لها، ومن ثم جاءت هذه الآية على هذا النسق الرائع، والأسلوب الخلاب، لتدعو المخاطبين إلى تلبية الدعوة والقيام بما يجب من النصرة، وتكون المصلحة العامة صنو المنفعة الخاصة، وما يحفظ بقاء الجماعة عدل ما يحفظ نظام الفرد والأسرة
تفسير المراغي
المراغي