ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ( ٢٤٣ )
في الآيات السابقة بين سبحانه وتعالى أحكام الأسرة، والدعامة التي يقوم عليها بنيانها، والنظم التي تربط آحادها، وحقوق كل واحد فيها على سائرها ؛ فبين حق الزوج، وحق الولد، وما ينبغي لتستمر المودة الرابطة حال بقاء الزوجية وعند انتهائها ليكون حبل الوداد موصولا دائما.
و الأسرة هي بناء المجتمع الإنساني، واللبنات التي يشاد منها صرح مجتمع فاضل، فالمجتمع القوي الفاضل لا يقوم إلا على دعائم من أسر قوية فاضلة، ففي الأسرة يتعلم الطفل مبادئ المجتمع المشترك المتحد المؤتلف، وفي الأسرة يسمو نزوعه المدني إلى الاجتماع والائتلاف، و يتجه اتجاها مستقيما نحو أسمى الغايات الاجتماعية، وهو أن يكون امرأ يألف ويؤلف، وإن الأساس الحقيقي للاجتماع أن يكون آحاده ممن يألفون ويؤلفون، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :" المؤمن مألفة، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف"١.
و إن القادة والزعماء الذين يعدون أممهم للكفاح يبتدئون بالأسرة، فيحمونها ويقيمون دعائمها على أسس الخير وحب الاجتماع، والاستعداد للفداء في سبيله. والنظم الاجتماعية التي جرب فيها محو الأسرة لتتربى الأمة على الكفاح – كنظام ليكورغ في أسبرطة – أدى إلى وجود شباب قد يكون قويا في جسمه، ولكن لا يمكن أن يكون قويا في خلقه وإيمانه بالفضيلة، والمثل العليا للمجتمع الفاضل الذي يحمي نفسه من ذرائع الانحلال في داخله، ويدرع بعدة القتال لحماية الحوزة ودفع الذل.
من أجل هذا كانت أحكام الأسرة بين أحكام الجهاد في القرآن، فقد سبق أحكام الأسرة كلام من الله تعالى في القتال وأعقبها دعوة وتحريض على الجهاد، وحث عليه بضرب الأمثال من الأمم السابقة، وكيف جاهدت في سبيل الحق، وانتصرت القلة مع إيمانها على الكثرة مع كفرها، وقد ابتدأ سبحانه وتعالى هذا بقوله تعالت كلماته :
[ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ] الاستفهام هنا يؤدي في مغزاه معنى التقرير والتثبت، وذلك لأنه للإنكار والنفي، وقد دخل على منفى فنفى النفي، وبذلك تقرر المعنى وثبت ؛ لأن نفي النفي إثبات، فالمعنى قد رأيت ونظرت وعلمت، والخطاب عام لكل قارئ وسامع إلى يوم القيامة، والرؤية بمعنى العلم، فإن رأى تكون بمعنى علم وبمعنى أبصر، أو تكون دائما بمعنى أبصر، ولكن الإبصار قد يكون بالبصر، وقد يكون بالبصيرة فيكون علما، وقد تتضمن الرؤية معنى النظر وهو نظر بالبصيرة، ولأنها تضمنت معنى النظر قد تعدت بإلى، فقال تعالى :[ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ] وقد ذكر الراغب الأصفهاني في مفرداته : أن رأى إذا تضمنت معنى النظر، ولو كان النظر بالبصيرة، تتعدى بإلى.
و المعنى الإجمالي : لقد علمت أيها القارئ المتتبع لسنن الله في الناس واجتماعهم الناطقة به آياته في نفوسهم وفي الآفاق، علم اليقين والجزم الناشئ عن دليل منير، حال أولئك الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، ومن لم يعلم ذلك ينبغي أن يعلم ؛ لأن البينات قائمة، والعلامة المعلمة واضحة فالاستفهام في الآية يقرر العلم، ويوجه الأنظار إلى وجوبه، ويحثها على الأخذ في أسبابه والالتفات إلى أماراته وأعلامه، فهو تقرير وتنبيه، وإثارة للمعجب من حال من فروا من الجهاد فلقوا الموت.
و من هم أولئك الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ؟
قبل أن نخوض في الجواب عن ذلك نتكلم في أمرين لفظيين قد يهدي أحدهما إلى الحق في شأن أولئك الذين خرجوا من ديارهم.
الأمر الأول – كلمة " ألوف " فإن بعض العلماء فسرها بمعنى كثرة العدد، أي أنهم عدد كثير، ألوف مؤلفة، وكثرة كاثرة، فما كان خوفهم عن قلة، بل كان عن كثرة، أو ما كان الخوف عن سبب يسوغه، بل كان عن جبن يخذل.
و بعض العلماء قال : إن معنى "ألوف " مؤتلفون مجتمعون، فألوف على هذا جمع آلف، كقعود جمع قاعد، وركوب جمع راكب، ونحو ذلك، والمعنى عن ذلك أنهم قبل خروجهم من ديارهم، وتفرقهم في الأرض كانوا مؤتلفين مجتمعين توحدهم كلمة جامعة، ووحدة رابطة، ففرقهم الخوف على الحياة أيا كانت صورها ولو كانت حياة الذل والانكسار، وإنه ليعقبها الشقوة والانهيار.
الأمر الثاني – كلمة " حذر الموت " تنبئ عن الباعث على فرارهم، وهو حرصهم المطلق على الحياة على أي صورة كانت تلك الحياة، كما وصف سبحانه وتعالى اليهود فقال سبحانه :[ ولتجدنهم أحرس الناس على حياة... ٩٦ ] ( البقرة ) أي مهما يكن نوع هذه الحياة، ثم خوفهم المطلق من الموت، أيا كانت أسبابه، ومهما تكن نهاية الفرار منه، وإن ذلك الخوف كان قبل أن تتحقق أسبابه فلم يكن الموت قد نزل ضربة لازب لا مناص منه إلا بالخروج من الديار، بل إن الذي دفعهم هو الحذرمن الموت، وليس الحذر إلا توقيا للأسباب واحتراسا وابتعادا قبل أن تظهر الأسباب قوية ملزمة موجبة، وعلى ذلك يكون الحذر من الموت أدق في بيان جبنهم من الخوف، إذ الخوف يكون وقد ظهرت موجباته، وتعددت الأمارات، أما الحذر فإنه توق مانع قبل وجود الأسباب وإن بدت ولاحت بعض أمور احتمالية لوجود هذه الأسباب.
و لقد كانت نتيجة خروج أولئك الحذرين من الموت أن استقبلهم الموت المقدور، فقال لهم الله موتوا، وأمر الله سبحانه وتعالى هنا أمر تكويني، أي أنه سبحانه وتعالى أماتهم، وإن أمر الله التكويني هو بإيجاد ما ساقه على أنه أمره [ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ٨٢ ] ( يس ).
فإذا كان أولئك قد فروا من الموت فليلقاهم الموت، وكيف يفرون من أمر وهو واقع لا محالة منه طال الأمد أو قصر، وهو واحد مهما تعددت أسبابه، والموت في شرف خير من الحياة في خسة، والموت في عزة خير من الحياة في ذلة !.
بعد هذا نجيب عن السؤال : من هم هؤلاء الذين فروا من الموت فلقيهم من حيث لا يقدرون، ثم أحياهم من ذلك رب العالمين ؟ وهل هذه الحياة كانت في الدنيا ؟
قد وردت في ذلك أخبار وروايات لم تثبت بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي بين الكتاب للناس، ولا عن أحد من أصحابه الذين تلقوا ذلك البيان.
و من تلك الروايات أنهم قوم من بني إسرائيل خرجوا هاربين من الوباء فنزلوا واديا، فأماتهم الله ثم أحياهم اعتبارا وإجابة لدعاء نبي من أنبيائهم.
و في رواية أخرى أنهم قوم من بني إسرائيل فروا من الجهاد مع نبيهم، فأماتهم الله ليعلمهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم ليجاهدوا.
و رواية ثالثة تقول : إن أولئك القوم كانوا من بني إسرائيل، حرضهم ملك من ملوكهم على الجهاد فخرجوا حذر الموت، فأماتهم الله سبحانه ثم أحياهم.
و في كل رواية من تلك الروايات تفصيلات لا حاجة إلى ذكرها. ولقد نقل القرطبي في أحكام القرآن بعد ذكر هذه الروايات ما نصه : قال ابن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا اغترار مغتر، وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمر المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وهذا قول الطبري، وهو ظاهر وصف الآية ٢.
هذه كلمة نقلها القرطبي، وقد اختار من قبله شيخ مفسري الأثر ابن جرير ذلك، وقد ارتضى ألا يتعرض لأولئك الأقوام من هم ؟ إذ لو كان في ذكرهم فائدة لذكرهم القرآن، أو لذكرتهم السنة النبوية.
و إن المفسرين السابقين قد نهجوا على أساس أن الموت حقيقي حسي، وأن أولئك قد ماتوا حسا وأحياهم الله سبحانه وتعالى حسا، وإن ذلك بلا ريب يكون فيه مع إعلامهم بأن الموت لا مناص منه، بيان لقدرة الله الخارقة للعادات، المتحكمة في السنن الكونية، فلا تخضع لهذه السنن، لأن الله منشئها.
و لقد جاء من بعد أولئك المفسرين السابقين الأستاذ الشيخ محمد عبده، فرأى أن الموت معنوي، والحياة حسية، فرأى رضي الله عنه أن الموت هو موت الأمم، والحياة في حياتها، وموت الأمم بتفرق كلمتها وذهاب وحدتها، وضرب الذلة عليها، وأن حياتها هي اجتماع كلمتها، ونيل عزتها، وتولي أمرها بنفسها، وخروجها من ديارها أن يتحكم فيها عدوها، فإنها تكون غريبة في أرضها مادام لا أمر لها فيها، وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة. ولنترك الكلمة له كما رواها تلميذه السيد رشيد رضا رحمه الله تعالى، فقد قال :
" أطلق القرآن القول في هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ولم يعين عددهم ولا أمتهم ولا بلدهم، ولو علم لنا خيرا في التعيين والتفصيل لتفضل علينا بذلك كتابه المبين، فلنأخذ القرآن على ما هو عليه، لا ندخل فيه شيئا من الروايات الإسرائيلية التي ذكروها، و هي صارفة عن العبرة، ولا مزيد كمال فيها. المتبادر من السياق أن أولئك القوم خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم لا من قلتهم، فقد كانوا ألوفا أي كثيرين، وإنما هو الحذر من الموت الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء، فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت، وما هو إلا سبب الموت.. ولما خرجوا فارين [ فقال الله لهم موتوا أي أماتهم بإمكان العدو منهم ؛ فالأمر أمر التكوين، لا أمر التشريع، أي قضت سنته في خلقه بأن يموتوا بما أوتوه من سبب الموت، وهو تمكين العدو المحارب من أقفائهم بالفرار، ففتك بهم وقتل أكثرهم، ولم يصرح سبحانه بأنهم ماتوا، لأن أمر التكوين مشيئة الله سبحانه.. [ ثم أحياهم ] إنما يكون الإحياء بعد الموت، والكلام في القوم لا في أفراد.. فمعنى موت أولئك القوم أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم، وأزال استقلال أمتهم، حتى صارت لا تعد أمة، بأن تفرق شملها، وذهبت جامعتها، فكان من بقي خاضعين للغالبين، ضائعين فيهم مدغمين في غمارهم لا وجود لهم في أنفسهم، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم. ومعنى حياتهم هو عودة الاستقلال إليهم، ذلك أن من رحمة الله تعالى في البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديبا لهم، ومطهرا لنفوسهم مما عرض لها من دنس الأخلاق الذميمة. أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الجبن والخوف والفشل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها، فجمعوا كلمتهم، ووثقوا رابطتهم، حتى عادت لهم وحدتهم قوية، فاعتزوا وكثروا إلى أن خرجوا من ذل العبودية التي كانوا فيها إلى عز الاستقلال. فهذا معنى حياة الأمم وموتها " ٣.
و هذا نظر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ونراه نظر إلى مرمى الآية الكريمة، وهو يتجه إلى أن الموت والحياة هو موت الأمم وحياتها، وموت الأمة ليس بموت آحادها، إنما هو بذهاب الجماعة التي تربطها، واندغامها في غيرها، حتى لا يصبح لها كيان قائم بذاته، وحياتها هي عودة هذه الوحدة الجامعة، والعزة المسيطرة والكيان المستقل.
و بعد هذا العرض الذي سقناه بيانا لآراء العلماء أجد في نفسي ميلا لأن أعتبر الحياة التي منحهم الله سبحانه وتعالى ليست تلك الحياة المادية في الدنيا بإعادة الروح إلى العظام واللحم، وإن ذلك كان ف

١ رواه أحمد : باقي مسند الأنصار (٢١٧٧٣) عن سهل بن سعد الأنصاري، كما رواه عن أبي هريرة في مسنده (٨٨٣١) بلفظ :"المؤمن مؤلف "..
٢ أحكام القرآن للقرطبي ج٣ ص٢٣١..
٣ تفسير المنار ج٢ ص٤٥١..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير