ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

قال تعالى : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ١ وفيها مسألة واحدة.
[ ٧٩ ] : المسألة الأولى : هل يسمي الماء طعاما ؟
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
إنما اسم الطعام٢ في اللغة التي خاطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطلق هذا إلا على القمح وحده، وإنما يطلق على غيره بإضافة.
وقد قال الله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ٣ فأراد الله عز وجل الذبائح لا ما يأكلون فإنهم يأكلون الميتة والدم والخنزير، ولم يحل لنا شيء من ذلك قط.
وقال الله تعالى إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ٤
فذكر تعالى الطعم في الماء بإضافة، ولا يسمى الماء طعاما.
وقال لقيط بن يعمر الإيادي٥ في الشعر له مشهور :

لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه هم يكاد جواه يحطم الضلعا٦
فأضاف الطعم إلى النوم والنوم ليس طعاما بلا شك.
وقد ذكرنا قول [ عبد الله بن معمر ]٧ وكان طعامنا يومئذ الشعير٨ فذكر الطعام في الشعير في إضافة لا إطلاق.
وقد ذكرنا من طريق أبي سعيد الخدري قوله : كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر : صاعا من طعام، صاعا من شعير، صاعا من تمر، صاعا من أقط٩.
فلم يطلق الطعام إلا على القمح وحده، لا على الشعير ولا غيره.
وروينا من طريق الحجاج بن المنهال نا يزيد بن إبراهيم نا محمد بن سيرين قال عُرض على عبد الله بن عتبة بن مسعود زيتا له ؟ فقلت له : إن أصحاب الزيت قلما يستوفون حتى يبيعون فقال : إنما سمى الطعام١٠.
أي إنما أمر بالبيع بعد الاستيفاء في الطعام، فلم ير الزيت طعاما.
وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عتبة بن مسعود : حجتان في اللغة قاطعتان، لا سيما وعبد الله هذلي، فبيلته مجاورة للحرم، فلغتهم لغة قريش.
وممن قال بقولنا : إن الطعام بإطلاق هو القمح وحده : أبو ثور١١.
[ ٨٠ ] : المسألة الثانية : رأيه التفسيري في قوله تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ١٢
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى –
قال تعالى الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ١٣.
... والعجب ممن يقول : إن هذه الآية مبيحة لهروب واحد أمام ثلاثة، فليت شعري من أين وقع لهم ذلك ؟
وهل في الآية التي ذكروا فرارا أو تولية دبر بوجه من الوجوه ؟ أو إشارة إليه ودليل عليه ؟ ما في الآية شيء من ذلك البتة، وإنما إخبار عن الغلبة فقط، بشرط الصبر وتبشير بالنصر مع الثبات.
... ثم قال – رحمه الله تعالى –
وأما نحن فلو رأينا في الآيات المذكورة ذكر إباحة فرار لقلنا به، ولسلمنا لأمر ربنا، ولكنا لم نجد فيها لإباحة الفرار أثرا ولا دليلا بوجه من الوجوه، وإنما وجدنا فيها أننا إن صبرنا غلب المائة منا المائتين، وصدق الله عز وجل، فليس ما يمنع أن يكون أقل من مائة أو أكثر من مائة يغلبون العشرة آلاف منهم وأقل وأكثر.
كما قال تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ١٤.
وهذا كله إخبار عن فعل الله تعالى ونصره عز وجل لمن صبر منا فتلك الآية التي فيها أن المائة تغلب المائتين هي إخبار عن بعض ما في الآية فيها أن المائة تغلب الألف وهاتان الآيتان معا هما إخبار عن بعض ما في الآية التي فيها غلبت فئة كثيرة ١٥ فلم يخص في هذه الآية عددا من عدد، بل عم عموما تاما١٦، ١٧.
١ سورة البقرة: آية ٢٤٩..
٢ الطعام: اسم جامع لكل ما يؤكل والطعم – بفتح الطاء – ما يؤديه الذوق يقال طعمه مر وقد طَعِم يطعم طعما فهو طاعم إذا أكل أو ذاق مثال غنم يغنم غنما غانم، والجمع أطعمة وأطعمات جمع الجمع. وأهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوابه البر خاصة. لسان العرب (١٢/٣٦٠) تهذيب الأسماء للنووي (٣/١٧٦)، المصباح المنير للفيومي ص (٣٧٣) قال ابن الأثير: ((الطعام عام في كل ما يقتات من الحنطة والشعير والتمر وغير ذلك)) النهاية في غريب الحديث (٣/١٢٦).
قال ابن فارس: ((الطاء والعين والميم أصل مطرد منقاس في تذوق الشيء، يقال طعمت الشيء طعما، والطعام هو المأكول، ثم يحمل على باب الطعام إستعارة ما ليس من باب التذوق فيقال: أستطعمني فلان الحديث، إذا أرادك على أن تحدثه)) معجم مقاييس اللغة (٣/٤١٠)..

٣ سورة المائدة: آية ٥..
٤ سورة البقرة: آية ٢٤٩..
٥ لقيط بن يعمر الأيادي: شاعر جاهلي فحل، من أهل الحيرة، كان يحسن الفارسية اتصل بكسرى (سابوا) ذو الأكتاف، فكان من كتابه والمطلعين على أسرار دولته، بعث بقصيدة إلى قومه بني إياد ينذرهم بأن كسرى وجه جيشا لغزوهم فسقطت القصيدة في يد أوصلتها إلى كسرى فسخط عليه، وقطع لسانه ثم قتله. الكامل في التاريخ (١/٣٩٢)..
٦ ديوان لقيط ص (٣٤).)، الاستيعاب لابن عبد البر (.
٧ الصواب هو معمر بن عبد الله كما في الإصابة والاستيعاب، معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة العدوي وهو ابن أبي معمر صحابي كبير من مهاجرة الحبشة. الإصابة (٦/١٨٨)، الاستيعاب لابن عبد البر (٣/١٤٣٤)..
٨ صحيح مسلم كتاب المساقاة / باب بيع الطعام مثلا بمثل (١١/٢٢) حديث رقم (٤٠٥٦)، صحيح ابن حبان كتاب البيوع / باب الربا (١١/٣٨٥) حديث رقم (٥٠١١)، مسند أحمد حديث معمر بن عبد الله (٧/٥٤٨) حديث رقم (٢٦٧٠٦)..
٩ سنن الترمذي كتاب الزكاة / باب ما جاء في صدقة الفطر (٣/٥٩) حديث رقم (٦٧٣)، وقال أبو عيسى: حديث حسن صحيح، مسند الشافعي باب ومن سن الأشربة (١/٢٨٧)..
١٠ تخريج الأثر: لم أقف عليه.
ترجمة رجال الإسناد:
الحجاج بن المنهال: ثقة، تقدم، انظر ص (٢٨٦).
يزيد بن إبراهيم التستري – بضم المثناة وسكون المهملة وفتح المثناة ثم راء – أبو سعيد، ثقة، ثبت إلا في روايته عن قتادة ففيها لين، من كبار السابعة، مات سنة ثلاث وستين. التقريب (٧٩٦٤).
محمد بن سيرين: ثقة، تقدم، انظر ص (٢٥٣).
الحكم: إسناده صحيح..

١١ المحلى لابن حزم (٧/٤٧٧)..
١٢ سورة البقرة: من آية ٢٤٩..
١٣ سورة الأنفال: من آية ٦٥..
١٤ سورة البقرة: من آية ٢٤٩..
١٥ سورة البقرة: من آية ٢٤٩..
١٦ قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ((إن أصح الطرق في تفسير القرآن أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر)) مقدمة في أصول التفسير ص (٩٣)..
١٧ الإحكام لابن حزم (١/٥٠٢).

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير