فلما فصل طالوت أي خرج والفصل في الأصل القطع وهو فعل متعد يعني فصل نفسه عن بلده فلما كثر استعمله حذف مفعوله فصار كاللازم بمعنى نفصل عن بلده شاخصا إلى العدو بالجنود هو في موضع الحال من فاصل فصل أي مختلطا بالجنود وذلك أنهم لما رأوا التابوت واستيقنوا النصر تساوعوا إلى الجهاد كلهم فقال طالوت : لا يخرج معي إلا شاب نشيط فارغ فخرج على هذا سبعون ألفا على قول مقاتل وقيل ثمانون ألفا وكانوا في حر شديد فسألوا أن يجري الله لهم نهرا قال طالوت إما يوحي الله إن كان نبيا وإما بإشراد نبيهم إن الله مبتليكم بنهر قال ابن عباس والسدي هو نهر فلسطين، وقال قتادة : نهر بين الأردن وفلسطين، والابتلاء : الاختبار، يعني يعاملكم معاملة المختبر ليظهر المطيع من العاصي فمن شرب منه فليس مني أي من أتباعي أو ليس بمتحد معي ومن لم يطعمه أي لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه مأكولا أو مشروبا فإنه مني قرأ نافع وأبو عمر وبفتح الياء والباقون بالإسكان إلا من اغترف غرفة بيده استثناء من قوله : فمن شرب وإنما قدمت الجملة الثانية للعناية بها، والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير، ولعل الحكمة في ذلك أن شرب الماء الكثير في شدة الحر والعطش يضر بالناس يهلك أو يضعف عن القتال، ويحتمل أن يكون ذلك التحريم عقابا لهم لما اقترحوا بجريان النهر. قرأ أهل الحجاز والبصرة غرفة بفتح الغين والباقون بالضم قال الكسائي بالضم ما يحصل في الكف من الماء عند الاغتراف وبالفتح الاغتراف فهو منصوب على المفعولية أو المصدرية على اختلاف القراءتين فشربوا منه أي كرعوا فيه، إذ المعنى الحقيق لمن الابتداء أن لا يكون بوسط وأما الأول فعلى عموم المجاز بقرينة الاستثناءن أو المعنى أفرطوا في الشرب إلا قليلا منهم منصوب على الاستثناء قال السدي كانوا أربعة آلاف والصحيح ما رواه البخاري عن البراء بن عازب قال كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة، ويروى ثلاثمائة وثلاثة عشر، فكان من اغترف قوي قلبه وذهب عطشه، ومن شرب وخالف أمر الله تعالى جبنوا ولم يرووا واسودت شفاههم وبقوا على شط النهر فلم يجاوزوا النهر مع طالوت، وقيل : جاوزوا النهر كلهم والظاهر أنهم لم يجاوزوا حيث قال الله تعالى : فلما جاوزه أي النهر الذي جبنوا وبقوا عليه للذين جاوزوا اعتذار للتخلف وتحذيرا لهم لا طاقة لنا اليوم لغلبة العطش والضعف أو لقلة العدد بجالوت وجنوده لكثرتهم وقوتهم قال الذين يظنون أي يستيقنون أنهم ملاقوا الله وتوقعوا ثوابه وهم الذين اكتفوا على الغرفة وجاوزوا النهر، ويحتمل أن يكون ضمير قالوا راجعا إلى الذين جاوزوا النهر، والمعنى أنه قال بعضهم لبعض أولا لا طاقة لنا ثم قال خلصهم كم من فئة قليلة كم خبرية موضعها الرفع بالابتداء، أو استفهامية استفهام تقرير ومن زائدة، والفئة الفرقة من الناس من فاوت رأسه إذا شققته أو من فاء إذا رجع على وزن فعة أو فلة، وقيل هي جمع لا واحد له بمعنى الجماعة غلبت فئة كثيرة بإذن الله بقضائه وإرادته والله مع الصابرين بالنصر والإثابة، وقالت الصوفية بالمعية التي لا كيف لها.
التفسير المظهري
المظهري