ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

قوله - عز وجل:
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ الآية: (٢٤٩) - سورة البقرة.
الجند يقال للعسكر اعتباراً بالغلظة من الجند، أي الأرض الغليظة ثم يقال: لكل مجتمع جند، نحو: (الأرواح جنود مجندة.. )، والغرف تناول الماء، ويقال للمعترف غرفة، وللمرة غرفة، والغريف الماء المعرض للاغتراف، وتصور منه الرفع، فسمي العلية غرفة تشبيهاً بالمغترف، وبهذا النظر سمي مشربة، وسمي الغمام مادام عرفه كأنه لرطوبته معترف، وجوز الطريق وسطه، و (جاز منه) كأنه عبر الجوز، فكثر حتى صار الجايز لما لا يكره، وعلى نحوه قيل سائغ، وهو من ساغ الطعام في الحلق، وجاوز، وتجاوز استعير له هذا البناء، لتصور المكان متباعداً عن الإنسان تباعد لإنسان عنه، ولهذا قيل: سافر وتباعد والفئة فرقة من قولهم: فاءت رأسه، وقد تقدم أن أسماء الفرق كثيراً ما تشتق من الألفاظ المقتضية للقطع كالصرمة، والقطيع والطامة، وما القوة بالمحمول، ويستعمل في قوة الحيوان، وأكثر ما يقال في الأثقال الجسيمة، وإذا قيل في غيرها، فعلى التشبيه، وروي في الخبر أن طالوت لم يكن يثق بقومه، فأراد أن يمتحنهم، وكان قد سار بهم مفازة لم يجدوا فيها ماء، فانتهوا إلى نهر من الأردن وفلسطين، فامتحنهم به..

صفحة رقم 511

إن قيل: فكيف قال: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ فنسب ذلك إلى الله عز وجل..
قيل: يجوز أن يكون الله تعالى ألقى ذلك في روعه كإلقاء الوحي في روع أم موسى، ويجوز أن يكون قد أخبره نبي زمانه عن الله، ويجوز أنه نسبه إلى الله لما قصد به وجهه وإن لم يكن الله قد أخبره به، كقوله: ابتلانا الله بكذا، وبين تعالى أن أكثرهم لم يأتمروا له، وقال بعضهم: " إن ذلك جعله الله مثالاً لهم "، ومثلاً مضروباً للدنيا وأتباعها وأن من يتناول منها قدر ما يتبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا، ومن تناول منها فوق ذلك ازداد عطشاً، وعلى هذا قيل: " الدنيا كالماء المالح "، من ازداد منها شرباً ازداد عطشاً، وإلى هذا أشير في الخبر المروي " أن الله - عز وجل - إذا سأله عبد شيئاً من عروض الدنيا أعطاه، وقال له: خذه وضعفه حرصاً " وإياه عني النبي - عليه الصلاة والسلام بقوله: (لو أن لابن آدم واديين ذهب، ابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)، وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يجوز أن يكون معطوفاً على (هو ومعه) من صلة (آمنوا)، ويجوز أن يكون: (الذين آمنوا، ومعه) خبره، وهو الأجود، لأن الأظهر في قوله: لَا طَاقَةَ لَنَا إن ذلك حكاية عمن شربوا، وإليه ذهب ابن عباس والسدي وقالا: " هم أهل الكفر لا الذين آمنوا "، وقال الحسن وقتادة وابن زيد: " الذين قالوا: " لا طاقة لنا " هم المؤمنون " وقوله: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ ظن ها هنا هو المفسر باليقين عند أهل اللغة، وهو المعرفة الحاصلة عن امارة قومه، ويدل على ذلك استعمال أن المشددة أو المخففة منها، نحو: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وإذا أريد الشك، استعمل معه (إن) التي تصحب المعدومين من الفعل، وقوله: (من) يجوز أن يكون استفهاماً، وأن يكون خبراً وإن كان معنى الاستفهام يعود إلى معنى الخبر، ولكن متى قدر استفهاماً نصب فيه إذا حذف عنه من، وإذا قدرته خبراً وجرت، وسكن منهم بأن عرفهم أن لا اعتبار بكثرة العدد وقلته وأحالهم على معرفتهم بالأعداد القليلة الغالية الكثيرة، وقد تقدم الكلام في قوله تعالى: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ..

صفحة رقم 512

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية