ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

علم من السياق أن الغرض الأول من طلب القوم نصب الملك عليهم هو أن يتولى قيادتهم للقتال في سبيل الله ويثأر من أولئك الوثنيين الذين أخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فكان المتوقع بعد بيان نصب الملك أن يذكر ما كان من شأنه في القتال وذلك ما بينه تعالى ذكره بقوله : فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده .
فصَلَ بالجنود : انفصل بهم من مقامهم وقادهم لقتال أعدائهم، وأصله : فصل نفسه عنه مصاحبا لهم، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر وأصله الأرض الغليظة ذات الحجارة ثم قيل لكل مجتمع قوي جند. والشرب تناول المائع بالفم وابتلاعه، وطَعِمَ الشيءَ من غذاء وشراب : ذاقه، قال الشاعر :
وإن شئت لم أطعم نقاحا ولا بردا١
والغرفة بالفتح المرة من غرف الشيء إذا رفعه من محله وتناوله وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والحجازيون. والغرفة بالضم ما يغترف وبها قرأ ابن عامر والكوفيون.
لما كان بنو إسرائيل من قبل كارهين لملك طالوت عليهم ثم أذعنوا من بعد وكان إذعان الجميع ورضاهم مما لا يمكن العلم به إلا بالاختبار والابتلاء أراد الله أن يبتلي هذا القائد جنده ليعلم المطيع والعاصي والراضي والساخط، فيختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال، وثباته في معامع النزال، وينفي من يظهر عصيانه، ويخشى في الوغى خذلانه، فإن طاعة الجيش للقائد وثقته به من شروط الظفر، وأحوج القواد إلى اختبار الجيش من ولي على قوم وهم له كارهون، أو كان فيهم من يكرهه، فإذا وجد في الجيش من ليس متحدا معه يخشى أن يوضعوا خلاله يبغونه الفتنة ويسومونه الفشل، أخبر طالوت جنوده بأن سيمرون على نهر يمتحنهم به بإذن الله، فمن شرب منه فلا يعد من أشياعه المتحدين معه في أمر القتال إلا أن يكون ما يشربه قليلا وهو غرفة تؤخذ باليد، فإن هذا مما يتسامح فيه ولا يراه مانعا من الاتحاد به والاعتصام بحبله، ومن لم يطعمه أي يذقه بالمرة فإنه منه وهو الذي يركن إليه ويوثق به تمام الثقة.
فالابتلاء سيكون على ثلاث مراتب : مرتبة من يشرب فيروى لا يبالي بالأمر وحكمه أن يتبرأ منه، ومرتبة من يأخذ بيده غرفة يبل بها ريقه وهو مقبول في الجملة، ومرتبة من لا يذوقه البتة وهو الولي النصير الذي يوثق باتحاده، ويعول على جهاده.
قال تعالى : فشربوا منه إلا قليلا منهم ذلك أن القوم كانوا قد فسد بأسهم وتزلزل إيمانهم، واعتادوا العصيان فسهل عليهم عصيانهم، وشق عليهم مخالفة الشهوة وإن كان فيها هوانهم، ولم يبق فيهم من أهل الصدق في الإيمان والغيرة على الملة والأمة إلا نفر قليل وقليل من عبادي الشكور ( سبأ : ١٣ ) والعدد القليل من أهل العزائم، يفعل ما لا يفعل الكثير من ذوي المآثم، كما يعلم من قوله تعالى : فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه أي فلما جاوز النهر طالوت هو والذين آمنوا معه قالوا أي الجنود وهم أولئك الذين شربوا منه إلا قليلا منهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده الطاقة أدنى درجات القوة كما تقدم في تفسير آية الصيام، وجالوت هو أشهر أبطال أعدائهم الفلسطينيين وعرَّبَهُ النصارى الذين ترجموا سفر صموئيل الذي فيه القصة " جليات " ولا اعتداد بتعريبهم. والعبارة تشعر بأن جنود الفلسطينيين كانوا أكثر من الإسرائيليين. أي قال جمهور الجنود ليس لنا أدنى شيء من جنس الطاقة بلقاء جالوت وجنوده.
قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين وهؤلاء الذين يظنون أنهم ملاقوا الله في الآخرة هو الذين آمنوا وجاوزوا لأنه تعالى لم يذكرهم وظنوا أن القولين من المؤمنين الذين جاوزوا النهر قال ضعافهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده : قال أقويائهم : كم فئة قليلة الخ. ثم اشتد بعضهم بعزيمة بعض وكأن من أمر انتصارهم ما يأتي في الآية التي بعده هذه، والعبارة لا تدل على أن الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه وإنما خص بالذكر الذين لم يشربوا لأنهم لم يتخلفوا عن طالوت لأجل الشرب، فهم الذين جاوزوه معه مقترنين وهم الذين يعتدهم منه ويتبرأ من المتخلفين كما علم من قوله في الابتلاء.
سياق الكلام فيمن فصل بهم من الجنود وابتلوا بالنهر. وقد قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلا، ثم أعلمنا أن فريقا منم وصفهم بالمؤمنين جاوزوا النهر مع طالوت فعلمنا أنهم هم الذين أطاعوا ولم يشربوا، ثم أخبرنا بقولين يصلح أحدهما لمعارضة الآخر ورده ( الأول ) أسنده إلى ضمير الجماعة المحكي عنهم الذي قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلا منهم، ومثله يصدر ممن خالف القائد وجبن عن القتال، و( الثاني ) أسنده إلى الذين يظنون أنهم ملاقو الله وهو ينطبق على الذين أطاعوا القائد واتحدوا معه فلم يعصوا ويتفق مع وصف الإيمان الذي سبقه، فعلمنا أن الجميع جاوزوا النهر وأن هذين القولين كانا بعد مجاوزته، فإن القوم افترقوا عند النهر فسبق من لم يشرب والتف حول القائد وجاوزوا النهر معه، وتخلف الآخرون قليلا للشرب والارتفاق بالماء ثم جاوزوا ولحقوا بالآخرين كما علم من محاورتهم معهم بما ظهر به أثر ما في نفس كل فريق منهما على لسانه.
ومن بديع إيجاز القرآن أن يحذف شيء ويأتي في السياق بما يدل عليه، وأن يذكر القوم بوصف غير ما دل عليه الكلام أو يجعله في مكان الضمير لإفادة أن هذا الوصف المذكور هو سبب في الفعل أو الوصف الذي سيق الكلام لتقريره، كما وصف الذين لم يشربوا بالإيمان مرة وباعتقاد لقاء الله تعالى مرة أخرى، فأعلمنا أن هذا الإيمان والاعتقاد هما سبب طاعة القائد وترك الشرك، وسبب الشجاعة والإقدام على لقاء العدو الذي يفوقهم عددا.
هذا ما ظهر لي في بيان هذه العبارة ويؤيده ما رواه ابن جرير عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : لما جاوزه هو والذين آمنوا معه قال الذين شربوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده :( قال ابن جرير ) : أولى القولين في ذلك بالصواب ما روي من ابن عباس وقاله السدي وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا غرفة، والكافر الذي شرب منه الكثير، ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه وانخذل عن أهل الشرك والنفاق الخ. وفيه ذكر قول كل من الفريقين. ووسم من يقول بأنه لم يجاوز مع طالوت النهر إلا أهل الإيمان بالغفلة ورد عليه قوله.
وفي كتب اليهود أن الابتلاء بترك شرب الماء كان على يد جدعون قبل قصة طالوت، ويوردون ذلك لما لا يليق بالله تعالى ولكنه يوافق ما بنيت عليه حوادث تاريخهم من كونها كلها عجائب وخوارق عادات لا شيء منها مبني على سنن الله تعالى في الاجتماع البشري. ففي الفصل السابع من سفر القضاة ما نصه :
" وقال الرب لجدعون إن الشعب الذي معك كثير علي لأدفع المديانيين بيدهم لئلا يفتخر علي إسرائيل قائلا يدي خلصتني. والآن ناد في آذان الشعب قائلا من كان خائفا ومرتعدا فليرجع وينصرف من جبل جلعاد، فرجع من الشعب اثنان وعشرون ألفا وبقي عشرة آلاف، وقال الرب لجدعون لم يزل الشعب كثيرا، أنزل بهم إلى الماء فأنقيهم لك هناك ويكون أن الذي أقول لك عنه هذا يذهب معك فهو يذهب معك، وكل من أقول عنه لا يذهب معك فهو لا يذهب، فنزل بالشعب إلى الماء، وقال الرب لجدعون كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده وكذا كل من جثا على ركبتيه للشرب. كان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاثمائة رجل، وأما باقي الشعب جميعا فجثوا على ركبهم لشرب الماء : فقال الرب لجدعون بالثلاثمائة رجل الذين ولغوا أخلصكم وأدفع المديانيين ليدك. وأما سائر الشعب فليذهبوا كل واحد إلى مكانه " اه.
وقد علمت أن القوم خلطوا في تاريخهم، وأن أكثره لا يعرف كاتبوه ومنه سفر صموئيل الذي فيه قصة طالوت، وعبارته تدل على أنه كتب بعد حدوث وقائعه، فإن الكاتب يذكر بعض الأشياء ويقول إنها لا تزال إلى الآن كأن الزمن كان كافيا لأن تندس فيه جميع الرسوم والمعالم التي عهدت عند وقوع تلك الوقائع وهم لا يعرفون كاتبه، وإننا نرى المؤرخين في زمامنا يغلطون بما يقع في عهدهم غلطا أبعد من هذا الغلط في إسناد الشيء إلى غير فاعله وتقديمه أو تأخيره عن زمنه، وكما فات مؤرخي بني إسرائيل تحرير الوقائع والحوادث بالتدقيق، فاتهم ما فيها من العبر والحكم، فأين ما نقلناه في تفسير هذه القصة عنهم مما تجده في عبارة القرآن من صنوف العبرة ؟ فالحق ما قاله الله تعالى في مسألة النهر وغيرها، ولا يعتبر ما خالفه من أقوال سائر الكتب معارضا له فيحتاج إلى التوفيق أو الجواب كما تقدم في مقدمة تفسير هذه القصة والله أعلم وأحكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:السنن الاجتماعية في القرآن والأمم والاستقلال :
أذكر ما يظهر لي من السنن والأحكام الاجتماعية في آيات هذه القصة مفصلة معدودة لعلها توعى، وتحفظ فلا تنسى إن شاء الله تعالى.
السنة الأولى : إن الأمم إذا اعتدي على استقلالها، وأوقع الأعداء بها، فهضموا حقوقها، تتنبه مشاعرها لدفع الضيم وتفكر في سبيله، فتعلم أنها الوحدة التي يمثلها الزعيم العادل، والقائد الباسل، فتتوجه إلى طلبه حتى تجده كما وقع من بني إسرائيل بعد تنكيل أهل فلسطين بهم.
الثانية : إن شعور الأمة بوجوب حفظ حقوقها، وصيانة استقلالها، إنما يكون على حقيقته وكماله في خواصها، فمتى كثر هؤلاء الخواص في أمة فإنهم هم الذين يطلبون الرئيس الذي يملك عليهم، كما علمت من إسناد طلب الملك إلى الملأ من بني إسرائيل وهم شيوخهم وأهل الفضل فيهم.
الثالثة : متى عظم الشعور في نفوس خواص الأمة بوجوب حفظ استقلالها، ودفع ضيم الأعداء عنها، فإنه لا يلبث أن يسري إلى عامتها، فيظن الناقص أن عنده من النعرة والحمية للأمة ما عند الكامل، حتى إذا خرجت من طور الفكر والشعور إلى طور العمل والظهور، انكشف عجز الأدعياء المدعين، ولم ينفع إلا صدق الصادقين، كما علم من قوله تعالى : فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قيلا منهم والله عليم بالظالمين .
الرابعة : إن من شأن الأمم الاختلاف في اختيار الرئيس الذي يكون له الملك عليها، والاختلاف مدعاة التفرق، فيجب أن يكون هناك مرجع يقبله الجمهور من الأمة. لذلك لجأ الملأ من بني إسرائيل إلى نبيهم وطلبوا منه أن يختار لهم رجلا يكون ملكا عليهم. وقد جعل الإسلام المرجع لاختيار إمام المسلمين مبايعة أولي الأمر لمن يختارونه من أنفسهم، وهم أهل الحل والعقد والمكانة في الأمة الذين هم عون السلطان وقوته باحترام الأمة لهم وثقتها بهم، لذلك لم ينصب النبي صلى الله عليه وسلم إماما للمسلمين في أمر الزعامة والحكم، ولكن استنبط بعض العظماء من الصحابة رضاء النبي صلى الله عليه وسلم بإمامة أبي بكر الدنيوية، بإنابته عنه في الإمامة الدينية، وهي إمامة الصلاة إذ أمر عندما اشتد مرضه، بأن يصلي أبو بكر بالناس مكانه، ومع هذا قال عمر : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها. أي أن الشورى في انتخابه لم تكن تامة. وإنما كان هو الذي عجل بالبيعة خوفا من عاقبة طول أمد الخلاف مع إجماعهم على عدم دفن النبي صلى الله عليه وسلم قبل نصب الخليفة له، ولكن خلافته وإمامته ( رض ) لم تثبت بالفعل إلا بمبايعة الأمة له.
الخامسة : إن الناس لا يتفقون على التقليد أو الاتباع فيما يرونه مخالفا لمصلحتهم الاجتماعية، ولذلك اختلف بنو إسرائيل على نبيهم في جعل طالوت ملكا عليهم، واحتجوا على ذلك بما لا ينهض حجة إلا في ظن المنكرين. ومن عجيب أمر الناس أن كلا منهم يحسب أنه يعرف الصواب في السياسة ونظام الاجتماع في الأمم والدول، فلا تعرض مسألة على عامي إلا ويبدي فيها رأيا يقيم عليه دليلا على أن هذا العلم هو أعلى من سائر العلوم التي يعترف الجاهلون بها بجهلهم، فلا يحكمون فيها كما يحكمون في علم السياسة والاجتماع. وما يعقله إلا الأفراد من الناس، ومن فروع هذه القاعدة أن عامة المسلمين لهذا العهد يرون أن الدعوة إلى جعل الخلافة موافقة للقواعد الشرعية التي يعتقدونها مخالفة لمصلحتهم، وكثير منهم يعد الداعي إلى ذلك عدوا لهم بل للإسلام نفسه١.
السادسة : إن الأمم في طور الجهل ترى أن أحق الناس بالملك والزعامة أصحاب الثروة الواسعة كما علم من قول المنكرين على ملك طالوت في تأييد إنكارهم [ ولم يؤت سعة من المال ] وأصحاب الأنساب الشريفة، كما علم مما فسر به العلماء قوله لهم، ونحن أحق بالملك منه . فهذا الاعتقاد من السنن العامة في الأمم الجاهلة خاص، فإنها هي التي تخضع لأصحاب العظمة الوهمية، وهي التي ليست صفة لنفس صاحبها كالمال والانتساب إلى بعض العظماء في عرفهم، سواء كانت عظمتهم بحق أو بغير حق. هذا موضع الخطأ في تعظيم ذي النسب، ويشتد خطره إذا صار أهل الأنساب يستعلون على الناس بأنسابهم دون علومهم وأعمالهم. والقرآن لم يصرح بأن ذلك هو وجه قولهم أنهم أحق بالملك. وفي المسألة نظر لا محل هنا لبسطه، ولكن نقول بالإجمال إن الانتساب إلى أهل الشرف الحقيقي، وهم أصحاب المعارف الصحيحة والأخلاق الفاضلة، والنفوس الكريمة العزيزة له أثر في النفس عظيم، فإن سليل الشرفاء جدير بأن يحافظ على كرامة نفسه فلا يدنسها بالخيانة، ثم أنه لا بد أن يرث شيئا من فضائلهم النفسية فيكون استعداده للخير أعظم في الغالب.
وإنك لتجد الأمم الراقية في العلم والاجتماع تختار ملوكها من سلالة الملوك والأمراء وتحافظ على قوانين الوراثة في ذلك، وما ارتقى عن هذا إلا أصحاب الحكومة الجمهورية، وقد جاء حكم الإسلام في هذه المسألة وسطا لم يغفل أمر النسب بالمرة لئلا تتسع دائرة الخلاف بطمع كل قبيلة في الإمامة الكبرى، ولم يجعل الأمر في بيت معين لما في ذلك من الغوائل، بل جعله في قبيلة عظيمة كثيرة العدد لا تخلو ممن هو أهل للإمامة، وهي محترمة في نفسها كانت محترمة في العصر الأول، ويرجى أن يدوم احترامها ما دام الإسلام الذي أتم الله نعمته على البشر بجعل رسول الله وخاتم النبيين منها ألا وهي قريش. فمن الحكمة في ذلك أن تظل الرياسة العليا للأمة مرتبطة بتاريخ ماضيها وقوم مؤسسها كارتباط دينها بوطنه في عبادتها الشخصية والاجتماعية وهما الصلاة والحج.
السابعة : إن الشروط التي تعتبر في اختيار الرجل في الملك هي ما استفدناه من قوله تعالى : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم الآية كما تقدم.
الثامنة : هي ما أفاده قوله تعالى : والله يؤتي ملكه من يشاء كما بيناه معززا بالشواهد من الكتاب العزيز على أن مشيئته تعالى إنما تنفذ بمقتضى سننه العامة في تغيير أحوال الأمم بتغييرهم ما في أنفسهم، وفي سلب ملك الظالمين وإيراث الأرض للصالحين، وتأويل هذه الآيات وأمثالها مشاهد في كل زمان، وأين المبصرون ؟ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ( الأنبياء : ٤٤ ) أو لم يسمعوا دعوة الأنبياء بقوله تعالى في سورة الشعراء : فاتقوا الله وأطيعون* ولا تطيعوا أمر المسرفين* الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ( الشعراء : ١٥٠- ١٥٢ ) أيظن المسلم الغافل أن مشيئة الله تعالى في قوله : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ( آل عمران : ٢٦ ) هي عبارة عن مخالفة سننه التي بينتها الآيات التي ذكرناها وما في معناها مما لم نذكره ؟ بل أقول ولا أخشى في الحق لومة لائم : أيظن المسلمون أن تنازع الأمم والدول على ممالكهم وسلبها من أيديهم مخالف لعدل الله العام وسننه الحكيمة التي جاء بها القرآن ؟ كلا إنه تعالى ما فرط في الكتاب من شيء، ولكنهم هم الذين فرطوا فذاقوا جزاء تفريطهم، فإن تابوا وأصلحوا تاب الله عليهم، وإلا فقد مضت سنة الأولين.
التاسعة : إن طاعة الجنود للقائد في كل ما يأمر به وينهى عنه شرط في الظفر واستقامة الأمر. وقوانين الجندية في هذا الزمان مبنية على طاعة الجيش لقواده في المنشط والمكره والمعقول وغير المعقول. فإذا أمر القائد بتسليم الديار أو الأموال أو الأنفس للأعداء وجب تسليمها في قانون كل دولة، نعم أنهم قرنوا بهذا الحق للقائد إيجابهم على أن يبرم الأمور باستشارة أهل الرأي في الفنون العسكرية وهم الذين يسمونهم أركان الحرب. ولكن هؤلاء ورئيسهم مقيدون بدستور الدولة العام، وبموافقة مجلس نواب الأمة على ما نص الدستور على وجوب موافقتهم عليه، ومن خالف ذلك يحاكم ويعاقب.
العاشرة : إن الفئة القليلة قد تغلب بالصبر والثبات وطاعة القواد، الفئة الكثيرة التي أعوزها الصبر والاتحاد، مع طاعة القواد، لأن نصر الله مع الصابرين ـ أي جرت سنته بأن يكون النصر، أثرا للثبات والصبر، وأن أهل الجزع والجبن هم أعوان لعدوهم على أنفسهم، وهذا مشاهد في كل زمان، وهو كثير لا مطرد كما جاء في الآية الكريمة.
الحادية عشرة : إن الإيمان بالله تعالى والتصديق بلقائه من أعظم أسباب الصبر والثبات في مواقف الجلاد، فإن الذي يؤمن بأن له إلها غالبا على أمره يمده بمعونته الإلهية، كما أمده بالقوى الروحية والجسدية، فإذا ظفر بإذنه كان مصلحا في الأرض مستعمرا فيها، وإذا قبضه إليه بانتهاء أجله المسمى كان في رحمته ناعما فيها، لهو جدير بأن يستخف بالأهوال، ويثبت في القتال ثبات الأجبال، وقد وافقنا كتاب الإفرنج في هذه المسألة، فصرحوا بأن من أسباب ثبات البوبر وبلائهم في حربهم للإنكليز كونهم أقوى إيمانا وأرسخ عقيدة، وجميع الأمم تشهد بأن الجيش العثماني أثبت جيوش العالم وأصبره وأشجعه، وقد تمنى قائد ألماني يعد من أشهر قواد الأرض لو أن له مئة ألف من هذا الجيش ليملك بها العالم، ذلك بأنه جيش يؤمن بلقاء الله تعالى إيمانا يقل في قواده من يساويه فيه٢.
الثانية عشرة : إن التوجه إلى الله تعالى بالدعاء مفيد في القتال كما يدل عليه قوله تعالى : فهزموهم بإذن الله إذ عطفها بالفاء على آية الدعاء، وذلك معقول المعنى فإن الدعاء هو آية ذلك الإيمان الذي بينا فائدته آنفا ولذلك قال عز وجل في سورة الأنفال : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ( الأنفال : ٤٥ ) فيراجع تفسيرها في الجزء العاشر.
الثالثة عشرة : دفع الله الناس بعضهم ببعض من السنن العامة وهو ما يعبر عنه علماء الحكمة في هذا العصر بتنازع البقاء، ويقولون إن الحرب طبيعية في البشر لأنها من فروع سنة تنازع البقاء العامة. وأنت ترى أن قوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ( البقرة : ٢٥١ ) ليس نصا فيما يكون بالحرب والقتال خاصة، بل هو عام لكل نوع من أنواع التنازع بين الناس الذي يقتضي المدافعة والمغالبة. ويظن بعض المتطفلين على علم السنن في الاجتماع البشري أن تنازع البقاء الذي يقولون إنه سنة عامة هو من أثرة الماديين في هذا العصر، وأنه جور وظلم، هم الواضعون له والحاكمون به، وأنه مخالف لهدى الدين، ولو عرف من يقولون هذا معنى الإنسان أو لو عرفوا أنفسهم، أو لو فهموا هذه الآية وما في معناها من سورة الحج لما قالوا ما قالوا.
الرابعة عشرة : قوله تعالى : لفسدت الأرض يؤيد السنة التي يعبر عنها علماء الاجتماع بالانتخاب الطبيعي أو بقاء الأمثل. ووجه ذلك جعل هذا من لوازم ما قبله، فإنه تعالى يقول إن ما فطر عليه الناس من مدافعة بعضهم بعضا من الحق والمصالحة هو المانع من فساد الأرض أي هو سبب بقاء الحق وبقاء الصلاح. ويعزز ذلك قوله تعالى في بيان حكمة الإذن للمسلمين بالقتال في سورة الحج :{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير* الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز* الذين إن مكناهم في الأرض وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأ



١ صدره: فإن شئت أحرمت النساء سواكم
والبيت من الطويل، وهو للعرجي في ديوانه ص ١٠٩، ولسان العرب (نقح)، (برد)، والتنبيه والإيضاح ١/٢٩٢، ٢/١٠، وتاج العروس (نقح)، (برد)، ولعمر بن أبي ربيعة في دوانه ص ٣١٥، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ١/٢٤٣، وديوان الأدب ١/١٠٢، وتهذيب اللغة ١٤/١٠٥، ويروي البيت للحارث بن خالد المخزومي وهو في ديوانه ص ١١٧..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير