فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
تفسير المفردات :
وفصل بالجنود أي فصل عن بلده مصاحبا لهم لقتال العمالقة، والجنود : واحدهم جندي وهم العسكر وكل صنف من الخلق كما جاء في الحديث :( الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها : ائتلف، وما تناكر منها اختلف ) والابتلاء : الاختبار والامتحان، والنهر ( بسكون الهاء وفتحها ) كان بين فلسطين والأردن، والشرب : تناول الماء بالفم من موضعه وابتلاعه دون أن يشرب بكفين ولا إناء، وطعم الشيء : أي ذاقه مأكولا كان أو مشروبا، والغرفة ( بالضم ) المقدار الذي يحصل في الكف بالاغتراف، والغرف : أخذ الماء بالكف ونحوه، والطاقة : أدنى درجات القوة، وجالوت : أشهر أبطال الفلسطينيين أعدائهم، والفئة : الجماعة من الناس قليلا كان عددهم أو كثيرا.
المعنى الجملي :
في هذه الآيات تفصيل لما جرى بين النبي وقومه من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الجملية يبين مصير حالهم
الإيضاح :
أي فلما خرج طالوت من البلد يصحبه هؤلاء الجند قال لهم هذه المقالة.
وقد روي أنهم لما رأوا التابوت لم يشكوا في النصر، فسارعوا إلى الجهاد، فقال لهم طالوت : لا يخرج معي شيخ ولا مريض، ولا رجل بنى بناء ولم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة مشتغل بها، ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوج امرأة لم يبن بها، ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفا، وكان الوقت قيظا ( شديد الحر ) وسلكوا مفازة فشكوا قلة الماء، وسألوا الله أن يجري لهم نهرا، فقال لهم : إن الله سيختبر حالكم ويعلم المطيع منكم من العاصي، والراضي من الساخط، وستقابلون نهرا فمن شرب منه فليس من أشياعي المؤمنين، إلا أن يكون ما يتناوله قليلا وهو غرفة تؤخذ باليد، ومن لم يذقه فهو الذي يوثق به ويركن إليه عند الشدائد.
وحكمة هذا الابتلاء أن يختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال وثباته حين النزال، ويبعد من يظهر عصيانه، ويخشى في الوغى خذلانه، فطاعة الجيش لقائده من أهم أسباب الظفر، وأحوج القواد إلى ذلك من ولى على قوم وهم له كارهون.
والخلاصة – أن مراتب الاختبار ثلاث :
من يشرب فيروي ولا يبالي بمخالفة الأمر، وهذا يتبرأ منه.
من يأخذ بيده غرفة يبل بها ريقه، وهو مقبول على ما به من نقص في الجملة.
من لا يذوق الماء أبدا، وهذا هو المولى والنصير الذي يوثق باتخاذه ويعول على جهاده.
فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ لأنهم كانوا قد اعتادوا العصيان وفسد بأسهم وتزلزل إيمانهم، ولم يبق فيهم من أهل الإيمان والغيرة على الدين إلا النفر القليل.
والقليل من ذوي العزائم الصادقة والنفوس التي أشربت حب الإيمان وامتلأت غيرة عليه – يفعل ما لا يفعله الكثير من ذوي الأهواء المختلفة، والنزعات المتضاربة تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى .
فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ أي فلما تخطى طالوت النهر هو ومن آمن معه وهم القليل الذين أطاعوه، ولم يخالفوه فيما ندبهم إليه، قال بعض ممن آمن معه من المؤمنين لبعض آخر منهم، وهم الذين يظنون أنهم ملاقوا الله، لا قدرة لنا على محاربة جالوت وجنوده، فرد عليهم الفريق الثاني لوثوقه بنصر الله وقوة أهل الحق على قلتهم، وخذلان أهل الباطل على كثرتهم، كما حكى الله عنهم.
قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ أي قال الذين يستيقنون بلقاء ربهم بالبعث، ويتوقعون ما عنده من الجزاء والثواب : كثيرا ما رأينا الجماعات القليلة غلبت الجماعات الكثيرة حين يكتب الله لهم التوفيق بمشيئته وقدرته، والله لا يذل من نصره وإن قل عدده، ولا يعز من خذله وإن كثرت آلاته وعدده.
وهذا دليل منهم على ثقتهم بنصر الله وتوفيقه.
وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فهو ينصرهم على عدوهم، ويثبتهم عند لقائه، وفي هذا حض على الصبر المؤدي إلى الغلبة، والثقة بالله عند الشدائد، ومدلهمات الحوادث، والرجوع إليه إذا فدح الخطب، وعظم الأمر، فهو القادر على النصر والتأييد لمن أخلص له من عباده.
تفسير المراغي
المراغي