وقوله : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها...
فإن قال قائل : أين الكلام الذي هذا جوابه، فإنا لا نراه في سورة البقرة ؟ فذكِر لنا أن اليهود لما قال الله : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً قال أعداء الله : وما هذا من الأمثال ؟ وقالوا مثل ذلك عند إنزاله : يَأَيُّها الناسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ منْ دُون اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً - إلى قوله - ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ لذِكرِ الذباب والعنكبوت ؛ فأنزل الله : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها . فالذي " فَوْقَها " يريد أكبر منها، وهو العنكبوت والذباب. ولو جعلت في مثله من الكلام " فما فوقها " تريد أصغر منها لجاز ذلك. ولست أستحسنه ؛ لأن البعوضة كأنها غاية في الصغر، فأحَبُّ إلىّ أن أجعلَ " ما فوقها " أكبر منها. ألا ترى أنك تقول : يُعطَى من الزكاة الخمسُون فما دونها. والدرهمُ فما فوقه ؛ فيَضيقُ الكلامُ أن تقول : فوقَه ؛ فيهما. أو دونَه ؛ فيهما. وأما موضع حسنها في الكلام فأن يقول القائل : إن فلانا لشريف، فيقول السامع : وفوق ذاك ؛ يريد المدح. أو يقول : إنه لبخيل، فيقول الآخُر : وفوق ذاك، يريد بكليهما معنَى أكبرَ. فإذا عرفتَ أنتَ الرجل فقلتَ : دونَ ذلك ؛ فكأنّك تحطّه عن غاية الشّرف أو غايةِ البُخل. ألا ترى أنك إذا قلتَ : إنه لبخيلٌ وفوق ذاك، تريد فوقَ البخل، وفوق ذاك، وفوق الشّرف. وإذا قلت : دون ذاك، فأنت رجلٌ عرفته فأنزلَته قليلاَ عن دَرَجته. فلا تقولنّ : وفوق ذاك، إلا في مدح أو ذمّ.
قال القرّاء : وأما نصبهم " بعوضة " فيكون من ثلاثة أوجه :
أوّلها : أن تُوقع الضّربَ على البعوضَةِ، وتجعلَ " ما " صلةً ؛ كقوله : عَما قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ [ يريد عن قليل ] المعنى - والله أعلم - إن الله لا يستحي أن يضرب بعوضة فما فوقها مثلاً.
والوجه الآخر : أن تجعل " ما " اسما، والبعوضةَ صلةً فتُعرّبها بِتَعْريب " ما ". وذلك جائز في " مَنْ " و " ما " لأنهما يكونان معرفة في حال ونكرة في حال ؛ كما قال حسَّان بن ثابت :
| فَكَفي بِنا فَضْلاً على مَنْ غَيْرِنا | حُبُّ النَّبِيءِ مُحَمّدٍ إِيّانا |
***... على مَنْ غَيرُنا *** ]
والرفع في " بعوضة " ها هنا جائز، لأن الصلة تُرفَعُ، واسمها منصوب ومخفوض.
وأما الوجه الثالث - وهو أحبها إليّ - فأن تجعل المعنى على : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها. والعربُ إذا ألْقَتْ " بَيْنَ " من كلام تصلُح " إِلَى " في آخره نصبوا الحرفين المخفوضين اللذين خفض أحدهما ب " بَيْنَ " والآخر ب " إلى ". فيقولون : مُطرْنا ما زُبالَةَ فالثّعْلبيةَ، وله عشرون ما ناقةً فجملاً، وهي أحسن الناس ما قَرْنا فقدَما. يراد به ما بين قرنها إلى قدَمها. ويجوز أن تجعل القرن والقدم معرفة، فتقول : هي حسنةٌ ما قرنَها فقدمَها. فإذا لم تصلح " إلى " في آخر الكلام لم يجزْ سقوطُ " بَيْن " َ ؛ مِن ذلك أن تقول : دارى ما بَيْنَ الكوفة والمدينة. فلا يجوز أن تقول : دارى ما الكوفةَ فالمدينةَ ؛ لأن " إلى " إنما تصلح إذا كان ما بين المدينة والكوفة كلُّه من دارك، كما كان المطر آخذا ما بين زُبالةَ إلى الثَّعلبية. ولا تصلح الفاء مكانَ الواو فيما لا تصلح فيه " إلى " ؛ كقولك : دار فلان بَيْنَ الحِيرة فالكوفة ؛ مُحالٌ. وجلست بين عبد الله فزيدٍ ؛ محالٌ، إلا أن يكون مقعدُك آخداً للفضاء الذي بينهما. وإنما امتنعت الفاء من الذي لا تصلح فيه " إلى " ؛ لأن الفعل فيه لا يأتي فيتَّصلَ، " وإلى " تحتاج إلى اسمين يكون الفعل بينهما كَطْرفةِ عَيْنٍ، وإن قَصُر قدرُ الذي بينهما مما يوجد، فصلحت الفاء في " إلى " لأنك تقول : أخذ المطرُ أوّلَه فكذا وكذا إلى آخره. فلما كان الفعل كثيرا شيئا بعد شيء في المعنى كان فيه تأويلٌ من الجزاء. ومِثْلُه أنهم قالوا : إن تأتني فأنت مُحسنٌ. ومحال أن تقول : إن تأتني وأنت محسن ؛ فرضُوا بالفاء جوابا في الجزاء ولم تصلح الواو.
قال الكسائي : سمعت أعرابيّا ورأى الهلال فقال : الحمد لله ما إِهلالَك إلى سَرارِك. يريد ما بين إِهلالِك إلى سرارك ؛ فجعلوا النصب الذي كان يكون في " بَيْنَ " فيما بعدَه إذا سَقَطت ؛ ليُعلم أنّ معنى " بَيْنَ " مُرادٌ.
وحكى الكسائي عن بعض العرب : الشّنَقُ : ما خَمْسا إلى خمس وعشرين. يريد ما بين خمس إلى خمس وعشرين. والشَّنَق : ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل. والأَوْقاص في البقر.
وقوله : ماذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً...
كأنه قال - والله أعلم - ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد يضل به هذا ويهدي به هذا. قال الله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ .
معاني القرآن
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء