إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين { ٢٦ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، أولئك هم الخاسرون ٢٧ }.
تفسير المفردات
الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، يقال فلان يستحي أن يفعل كذا، أي إن نفسه تنقبض عن فعله، وكأن الحياء ضعف في الحياة، لأنه يؤثر في القوة المختصة بالحيوان، وهي قوة الحس والحركة، وفعله استحى واستحيا، ويقال استحييته واستحييت منه، والمثل في اللغة : الشبيه والنظير، وضرب المثل في الكلام أن يذكر لحال ما يناسبها فيظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفيا، وهو مأخوذ من ضرب الدراهم، وهو إحداث أثر خاص فيها، كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه، ولا يظهر التأثير في النفس بتحقير شيء وتقبيحه إلا بتشبيهه بما جرى العرف بتحقيره ونفور النفوس منه. والمراد بما فوق البعوضة ما زاد عليها وفاقها في الصغر كالجراثيم التي لا ترى إلا بالمنظار المكبر، وكانوا قديما يضربون المثل في الصغر بمخ النملة والبعوضة، فقد قالوا : أعز من مخ البعوضة، وجاء في الحديث :( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها شربة ماء ).
والحق : هو الشيء الذي يحق ويجب ثبوته، ولا يجد العقل سبيلا إلى إنكاره، والفسق لغة : الخروج يقال فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت.
المعنى الجملي
روي عن ابن عباس أن هذه الآيات جاءت لتنزيه القرآن الكريم من ريب خاص اعترى اليهود الذين أنكروا ضرب الأمثال بالمحقرات كالذباب والعنكبوت لما نزل قوله تعالى : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب وقوله : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون إثر تنزيهه من مطلق الريب بما تحداهم به في الآيات السابقة، إذ طلب إليهم أن يأتوا بسورة مثله، وبه أبان لهم أن ذلك ليس بمطعن في القرآن، بل هو أنصع برهان على أنه من عند خالق القوى والقدر، فإن سنة البلغاء جرت بوجوب التماثل بين المثل وما مثل له، فالعظيم به بالعظيم، والحقير له بالحقير، ألا ترى إلى الإنجيل، وقد مثل غل الصدر بالنخالة، ومعارضة السفهاء بإثارة الزنابير، وجاء في عباراتهم " أجمع من ذرة، وأجرأ من الذباب، وأضعف من بعوضة ".
وما الأمثال إلا إبراز للمعاني المقصودة في قالب الأشياء المحسوسة لتأنس بها النفس وتستنزل الوهم عن معارضة العقل، والحكيم علام الغيوب يعلم حكمة هذا، فلا يترك ضرب المثل بالبعوضة وما دونها حين تدعو المصلحة إلى ذلك.
والناس إزاء هذا فريقان : مؤمنون يقولون إن الله خالق الأشياء حقيرها وعظيمها فالكل لديه سواء، وكافرون يستهزئون بالأمثال احتقارا لها، فحقت عليهم كلمة ربهم فأصبحوا من الخاسرين
الإيضاح
إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها أي إن الله حلت قدرته لا يرى من النقص أن يضرب المثل بالبعوضة فما دونها، لأنه هو الخالق لكل شيء جليلا كان أو حقيرا.
فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم أي فالمؤمنون يقولون ما ضرب الله هذا المثل إلا لحكم ومصالح اقتضت ضربه لها، وهي تقرير الحق والأخذ به، فهو إنما يضرب لإيضاح المبهم بجعل المعقولات تلبس ثوب المحسوسات، أو تفصل المجمل لبسطه وإيضاحه.
وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا الذين كفروا هم اليهود والمشركون وكانوا يجادلون بعد أن استبانت لهم الحجة وحصحص الحق، ويقولون ماذا أراد الله بهذه المثل الحقيرة التي فيها الذباب والعنكبوت، ولو أنصفوا لعرفوا وجه الحكمة في ذلك وما أعرضوا وانصرفوا، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا .
ثم أجاب عن سؤالهم بقوله :
يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا أي إن غلب عليهم الجهل إذا سمعوه كابروا وعاندوا وقابلوه بالإنكار، فكان ذلك سببا في ضلالهم، ومن عادتهم الإنصاف والنظر بثاقب الفكر إذا سمعوه اهتدوا به، لأنهم يقدرون الأشياء بحسب فائدتها.
ومن المعلوم أن أنفع الكلام ما تجلت به الحقائق، واهتدى به السامع إلى سواء السبيل، وأجله في ذلك الأمثال كما قال : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون والعالمون هم المؤمنون المهتدون بهدى الحق.
وقد جعل الله المهتدين في الكثرة كالضالين، مع أن هؤلاء أكثر كما قال :
وقليل من عبادي الشكور إشارة إلى أن المؤمنين المهتدين على قلتهم أكثر نفعا وأجل فائدة من أولئك الكفرة الفاسقين.
إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
ثم أكمل الجواب وزاد في البيان فقال :
وما يضل به إلا الفاسقين أي وما يضل بضرب المثل إلا الذين خرجوا عن سنة الله في خلقه وعما هداهم إليه بالعقل والمشاعر والكتب المنزلة على من أوتوها.
وفي هذا إيماء إلى أن علة إضلالهم ما كانوا عليه من الخروج عن السنن الكونية التي جعلها عبرة لمن تذكر، فقد انصرفت أنظارهم عن التدبر في حكمة المثل إلى حقارة الممثل به حتى رسخت به جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروه.
المعنى الجملي
روي عن ابن عباس أن هذه الآيات جاءت لتنزيه القرآن الكريم من ريب خاص اعترى اليهود الذين أنكروا ضرب الأمثال بالمحقرات كالذباب والعنكبوت لما نزل قوله تعالى : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب وقوله : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون إثر تنزيهه من مطلق الريب بما تحداهم به في الآيات السابقة، إذ طلب إليهم أن يأتوا بسورة مثله، وبه أبان لهم أن ذلك ليس بمطعن في القرآن، بل هو أنصع برهان على أنه من عند خالق القوى والقدر، فإن سنة البلغاء جرت بوجوب التماثل بين المثل وما مثل له، فالعظيم به بالعظيم، والحقير له بالحقير، ألا ترى إلى الإنجيل، وقد مثل غل الصدر بالنخالة، ومعارضة السفهاء بإثارة الزنابير، وجاء في عباراتهم " أجمع من ذرة، وأجرأ من الذباب، وأضعف من بعوضة ".
وما الأمثال إلا إبراز للمعاني المقصودة في قالب الأشياء المحسوسة لتأنس بها النفس وتستنزل الوهم عن معارضة العقل، والحكيم علام الغيوب يعلم حكمة هذا، فلا يترك ضرب المثل بالبعوضة وما دونها حين تدعو المصلحة إلى ذلك.
والناس إزاء هذا فريقان : مؤمنون يقولون إن الله خالق الأشياء حقيرها وعظيمها فالكل لديه سواء، وكافرون يستهزئون بالأمثال احتقارا لها، فحقت عليهم كلمة ربهم فأصبحوا من الخاسرين
تفسير المراغي
المراغي