ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

قوله تعالى: إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا...
قال ابن عرفة: الحياء هو (استقباح) فعل الشيء بحالة ما دون نقص فيه، والاستحياء (استقباح) فعله لنقص فيه.
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف وصف به القديم ولا يجوز عليه التغير والخوف؟ وفي حديث سلمان قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنّ الله كريم حي يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا»

صفحة رقم 205

أجاب أنه على سبيل التمثيل مثل تركه كتغييب العبد من العطاء بترك من يمتنع من رد المحتاج حياء منه. والمعنى هنا لا يترك ضرب المثل بالبعوض ترك من يستحى أن يتمثل بها.
قال ابن عرفة: فجعله من باب العدم و (الهلكة)، مثل زيد لا (يبصر) لا من السلب والإيجاب مِثل الحائط لا يبصر.
وقال صاحب المثل السائر في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» إنه يفهم على وجهين: إما إذا لم تفعل فعلا تستحي منه فاصنع ما شئت على سبيل التخبير والإباحة، وإما إذا لم تتصف بالحياء لأجل جرمك وتعديك الحدود الشرعية ولم تبال ما أتت فاعل فاصنع ما شئت على سبيل التهديد والوعيد والإنذار.
قال: وفسر «يَضْرِبَ» (في الآية) بوجهين: إما بمعنى يذكر مثلا، وإمّا بمعنى يصوغ كضرب الصائغ الدراهم بمعنى صاغها.
قال: وحكمة ضرب المثل بهذا أن لفظ القرآن صحيح فصيح فضرب الله المثل فيه ابتلاء لعباده، فالمحق يأخذ بالقبول، والمبطل يعانده فيه. وهذا جرى على (السّنن) المألوف عند (العرب) الفصحاء في صحيح الأمثال فحق المنصف منهم (أن يقبل المثل) (

صفحة رقم 206

وعلى) هذا فردهم لذلك فيه ومعاندتهم فيه محض مباهتة، وهي طريقة المغلوب إذا لم يجد ملجأ.
قوله تعالى: فَمَا فَوْقَهَا...
قيل: أي، ما دونها، وقيل: ما هو أعظم منها.
وانتقد ابن الصائغ على ابن عصفور حدّه (التنازع) (أن يتقدم اسم ويتأخر عنه عاملان) فصاعدا، وقال: إنّه غير جامع، لا يتناول الأسئلة تكون فيها ثلاثة عوامل، لأن (الفاء) تقتضي الجمع. ومنهم من جعلها بمعنى «أَوْ» فعلى ما ق ابن الصائغ لا يفسّر إلا بمعنى الاول، وهو أن المراد ما دون (البعوضة) فيتم المثل وعلى أنّ (الفاء) بمعنى (أو) (ويصحّ) تفسير الفوقية بالأمرين.
قوله تعالى: فَأَمَّا الذينءَامَنُواْ...

صفحة رقم 207

وقال الزمخشري: «أما» حرف فيه معنى (الشرط) ولذلك/ يجاب بالفاء وفائدته أنه يزيد الكلام تأكيدا.
قال: وفي (قولك) : أما زيد فذاهب. معناه عند سيبويه مهما يكن من شيء فزيد ذاهب وتفسيره يفيد أمرين: التأكيد والشرطية.
(قال ابن عرفة: أراد أنه يفيد ملزومية الشرط للجزاء أي زيد ملازم للذهاب، فكأنه لم يزل ذاهبا) وفائدة دخول الفاء على «أمّا» أنّه لما تقدم (الإخبار) بأن الله تعالى لا يستحي أن يضرب مثلا وكان الإخبار بذلك لا يقتضي وقوع ضرب المثل بل جوازه في حقّه، وأنّه لا يمتنع منه عقّبه ببيان أن ذلك واقع منه لقوله تعالى فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق.
وعبر عن المؤمنين بالفعل تنبيها على أن من أتّصف بمطلق الإيمان يعلم ذلك فأحرى من حصل له الإيمان القوي الكامل ويستفاد من عمومه في المؤمنين أن الاعتقاد الحاصل للمقلد عِلْمٌ (لاَ ظنّ) وهو الصحيح عندهم.
قوله تعالى: فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق...
قال ابن عرفة: الحق في القرآن كثيرا كقوله تعالى: مَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق فمن يفهمه على ظاهره يعتزل لأن مذهب المعتزلة مراعاة الأصلح

صفحة رقم 208

على قاعدة التحسين والتقبيح، فالصواب أن يقال في تفسير «الحق» هو الأمر الثابت في نفس الأمر الذي دل الدليل الشرعي على ثبوته، أو يقال: (إنما هو) الثابت بدليل شرعي، أو مدلول الكلام القديم الأزلي.
قال ابن العربي في شرح الأسماء الحسنى: الحق في اللغة هو الموجودُ ويعم الاعتقاد والقول والعمل ثم قال: والمختار أن الحق ما له فائدة مقصودة، والباطل (ضده) سواء كان (موجودا) أو معدوما قال تعالى: مَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق أي لفائدة مقصودة وهي الثواب والعقاب لقوله تعالى: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً وقوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وانظر ما قيدته في الزمر والأحقاف والتغابن وعم.
قال أبو حيان: والفاء الداخلة على جواب «أما» فحقها التقديم فيقال: أما زيد فذاهب، لأنه هو الجواب لكنها لو قدمت للزم عليه وجود المعطوف دون المعطوف عليه.

صفحة رقم 209

وكذا قال الفارسي وأبو البقاء وابن هشام: «أَمَّا» فيها معنى الشرط، والفاء كذلك فكرهوا اجتماع (حرفي) شرط، كما كرهوا اجتماع حرفي تأكيد.
قال ابن عرفة: إِنَّمَا امتنع عندي لما فيه من إيهام الإتيان بالجزاء دون الشرط.
قوله تعالى: مِن رَّبِّهِمْ...
لم يقل من الله تنبيها على أنه رحمة منه ونعمة لهم، (لكونه) نصب لهم عليه الأدلة والطرق إلى العلم به.
قوله تعالى: وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً...
الآية (فيها) حذف التقابل أي فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقّ مِنْ رَبِّهِمْ ويقولون ذلك بألسنتهم، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا (مَثَلا. ويعتقدون

صفحة رقم 210

ذلك بقلوبهم ولذلك لم يقل في الكافرين: بماذا أراد ربنا بهذا مثلا) ويمكن أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من الأولى، وهو أصوب مو كونها استئنافا، لأن (المؤمنين) إذا (اعتقدوا) أنه الحق حالة وجود المخالف والمعاند (لهم) فيه فأحرى أن يعتقدوا صحته مع عدم المخالف.
قال ابن عرفة: وسلكوا في هذه العبارة طريق الجدل (عند الجدليين) لأنهم لو قالوا ذلك (أمرنا بالرد) عليهم، فالضرب في رجوعهم بالمباهتة والتبكيت.
(وأتوا) في الجواب بلفظ ظاهره الاستفهام ومعناه الإنكار كما يأتي المجادل المغلوب بلفظ (يموه به ويحيد به) عن الجواب.
وقوله: مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً قال الزمخشري: فيه وجهان: إما أن (ذا) اسم موصول بمعنى الذي مرفوع على الابتداء أو خبره مع صلته، وإما أن (ماذا) كلمة واحدة كلها وهي في موضع نصب بأن إذا.

صفحة رقم 211

قال ابن عرفة: وكان ابن الحباب يحكى عن (بعضهم) أنه كان يقول في قوله تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين (بالرفع: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً قال: النصب في جهة المؤمنين أرجح، والرفع للكافرين أرجح كما هو في الآية. ووجهه أنه حيده منهم عن الجواب لأن الكافرين لو نصبوا أساطير الأولين لكان المعنى أنزل) أساطير الأولين فيكونوا مقرين بالإنزال (وإذا) رفعوه فيكون المعنى هو أساطير الأولين، وحادوا عن الجواب على مقتضى السؤال والمؤمنون أجابوا على مقتضى السؤال فقالوا: أنزل خيرا فأقروا بالإنزال، وأنه خير في نفسه، فحصلوا المطلوب وزيادة. وكذلك (يجيء الرفع في هذه الآية أرجح في جهة الكافرين)، ويحتمل أن يكون «ماذا أراد الله» في موضع الحال، ويحتمل أن يوقف على «ماذا».
قال ابن عرفة: وَ «مَثَلا» إما تمييز أو حال، وإما منصوب على المخالفة كما قال ابن منصور في شرح مقربه لما (عدّ) المنصوبات.

صفحة رقم 212

قال ابن عطية: ومعنى كلامهم هذا الإنكار بلفظ الاستفهام.
وقال الزمخشري في قولهم «مَاذَا» استرذال واستحقار.
وقال ابن عرفة: (عادة) ابن المنير ينتقد عليه ذلك لأنه إساءة أدب لا بنبغي أن يفسر القرآن به ولا (يحكي) عن (الكافرين) في الكلام القبيح إلا ما هو نص كلامهم مثل وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً...
قال ابن عرفة: هذا لف ونشر لأنه لما تقدم ذكر المثل وذكر (بعده) الفريقين عقبه ببيان أنَّه يضل به قوما، ويهدي به آخرين. واللَّف والنشر قسمان: موافق كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار ومخالف كقوله تعالى {يَوْمَ

صفحة رقم 213

تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ} قال: وحكمة ذلك في (الجمع) الاهتمام بمقام التخويف والإنذار، فلذلك بدأ بأهل الشقاوة في الآيتين.
وقال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: هذه الآية إذا (بنينا) على (القول) الصحيح فإن ارتباط الدليل بالمدلول عادي وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقد نصوا على أن الحق لا يستلزم الباطل بوجه، وإنما يستلزم حقا مثله. وجاءت هذه الآية بعد ذكر ضرب المثل الذي جعله الله دليلا للمكلفين على صحة الرسالة، ثم عقبه ببيان أنه دليل (حق ثم قال: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً، فجعل الدليل الحق مستلزما للضلال فإذا بنينا على أن ارتباط الدليل بالمدلول عادي يكون/ الحق بهذه الآية قد يستلزم الضلال كما قالوا إنه) يستلزم الحق. وغاية ما فيه أن يقال: الغالب (عليه) استلزم الحق وقد يستلزم الباطل. ((قال ابن عرفة واقتضت الآية أنّ المثل الذي هدى الله به المؤمنين أضل به بقية الكافرين، وهو سبب في الشيء ونقيضه،

صفحة رقم 214

وهذا هو عين مذهب أهل (السنة)، لأن جميع الأشياء كائنة بإرادة الله وقدرته. وأراد الزمخشري سؤالاً (أ) قال: إن قلت: لم قال: " يضل به كثيراً " وهم قليلون قال تعالى: وقليلٌ مِنْ عِبّادِيَ الشَّكُورُ وقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَليِلٌ مَّا هُمْ ؟ قال ابن عرفة: السؤال غير وارد لأن الشكور أخص من الشاكر، والشاكر مهدي فلا يلزم من كون الشاكر قليلاً أن يكون المهدي قليلاً. قال: والآية الأخرى تقتضي نسبة العلة لمن آمن وعمل الصّالحات وهو أخص ممن اتصف بمطلق الإيمان ومطلق الاهتداء فلو قدر السؤال بقوله تعالى: ومَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين. لكان صحيحاً متوجها. قيل لابن عرفة: إنما السؤال غير وارد على مذهبنا، وأما عند الزمخشري وسائر المعتزلة فهو وارد لأن المؤمن عندهم هو الذي عمل. قال: بل هو غير وارد عندهم لأن من آمن الإيمان الحقيقي الكامل (واخترمته المنية) إثر ذلك ولم يمض عليه زمن عمل (فيه) الصّالحات هو مؤمن باتفاق منا ومنهم.

صفحة رقم 215

زاد الزمخشري في تمثيل القليل قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " النّاس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة. قال كذلك (قوله) وجدت الناس أخبر تقله أي أخبر أحدهم ببعضه. قال ابن عرفة: وهو تسليم للسؤال. فأجابه عنه الزمخشري: بأنهم كثيرون في أنفسهم. لا سيما فيما قالوا في جمع الكثرة: إنه يتناول مع العشرة فما دون ذلك والقلة (هي) فما في الترجيح في العدالة إنه ترجح التي هي أعدل لشرفها. وإسناد فعل الإضلال إلى الله تعالى حقيقه. وجعله الزمخشري مجازاً على قاعدة التحسين والتقبيح عندهم ثم استدل لذلك بحكاية عن مالك بن دينار أنّه دخل على محبوس مقيد بين يديه (دجاج) (وأخبصه) فقال له: هذه وضعت القيود على رجلك.

صفحة رقم 216

ابن عرفة: وهذا من أنواع الدليل (المسمى) في علم المنطق بالخطأ، لأنه جعل (استحالة) نسبة الأضلال إلى الله تعالى كاستحالة نسبة وضع القيد في رجل المحبوس إلى الدجاج (وللأخبصة) قال: فكما أطلقه هناك مجازاً فكذلك هنا (استحقاقاً) لمذهبه (وجرياً) على عادته الفاسدة. قوله تعالى: ومَا يُضِلّ بِهِ إلاّ الفَاسِقينَ. تقدم للزمخشري في قوله تعالى: هُدى للمُتَّقِينَ سؤال، قال: المتقي مهتد فكونها هدى له (تحصيل) الحاصل، وأجاب بأن المراد الصائرين (للتقوى) وهو هُدى بإعتبار الزيادة في الهداية. وكذا السؤال هنا وجوابه قول تعالى: فَأَمَّا الَّذينَ ءامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيِمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذيِنَ ءامَنُوا مَّرَضٌ فَزَادتَتْهُمْ رِجْسًا.

صفحة رقم 217

تفسير ابن عرفة

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي

تحقيق

حسن المناعي

الناشر مركز البحوث بالكلية الزيتونية - تونس
سنة النشر 1986
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية