قوله تعالى : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ
٢٢- هذا استثناء مفرغ للمفعول، وهي قراءة الجماعة، وهي خط المصحف، وروي عن إبراهيم بن أبي عبلة : وما يضل به إلا الفاسقون . قال أبو عمرو١ : " هذه قراءة القدرية٢، وهي مخالفة لرسم المصحف فجعله مفرغا للفاعل.
قلت : إن القدرية تعتقد أن الله لا يريد الضلال و لا يضل أحدا، وإنما العبد يضل من قبل نفسه بناء على أن الحيوان مستقل في أفعاله، وهذه الآية حجة عليهم، وتحريف القرآن لا يخلصهم من قيام الحجة عليهم لبطلان قراءتهم ".
واختلف المتأولون : هل هذا الكلام٣ من قول الكفار أو من قول الله تعالى ؟. وقيل : من قول الكفار أي : ما أراد الله تعالى بهذا المثل المتقدم على هذه الآية إلا تفريق الناس إلى الضلالة والهدى.
وقيل : بل هو من قول الله تعالى : أي الله تعالى يجعل ضرب الأمثال هداية لقوم وضلالة لقوم كما قال تعالى في الآية الأخرى في القرآن : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ٤.
ويروى عن الحارث المحاسبي٥ رضي الله عنه أنه قال : " مثل العلم كمثل الغيث ينزل من السماء كله حلو فيزيد الحلو حلاوة والمر مرارة "، والأسباب تؤثر بحسب الاستعدادات.
ثم " الفاسقون " ها هنا إن كان المراد بهم المستعدين للفسق فيتعين المجاز من جهة أنهم إنما يصيرون فاسقين بالإضلال بهذا المثل. وظاهر الآية يقتضي أن وصف الفسق تقدم الإضلال كما لو قلت :" لا أهين إلا الجاهل " و " لا أكرم إلا العالم "، فهذا يقتضي تقدم هذه الأوصاف على هذه الأحكام. فيكون هذا من باب تسمية الشيء باعتبار ما هو قابل له وآيل إليه، ويسمونه من مجاز إطلاق الفعل على القوة كقوله تعالى : إني أراني أعصر خمرا ٦.
وإن أريد بالفاسقين المتصفون بالفسق حقيقة فيتعين ملاحظة قاعدة أخرى وهو أن الله تعالى يعاقب على السيئة بتيسير سيئة أخرى حتى يجتمع على العاصي عقوبتان. كما يعاقب عليها بالمؤلمات وبتفويت الطاعات كما قال تعالى : وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ٧.
وفي سورة القتال : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ٨ إلى قوله تعالى ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ٩. فجعل الردة مسببة على الباطل، وهو كثير في القرآن كقوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ١٠. وكذلك هذه رتب فيها الضلال على ارتكاب الفسق أولا، وترتيب الحكم على الوصف يشعر بغلبة الوصف لذلك الحكم فيكون الفسق السابق سببا للضلال اللاحق على القاعدة. ( الاستغناء في الاستثناء : ١٥٥ ).
له مؤلفات في الفقه والقراءات واللغة والأصول وغيرها. (ت : ٦٤٦ هج). ن : ترجمته في الديباج ص : ١٨٩. حسن المحاضرة : ١/٤٥٦. شجرة النور : ١٦٧. البداية والنهاية : ١٣/١٧٦..
٢ القدرية : هم فرقة من المعتزلة يقولون بأن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها. ن : الملل والنحل للشهر ستاني : ١/٤٣..
٣ قال تعالى :إن الله يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا.... . سورة البقرة الآية : ٢٥..
٤ - فصلت : ٤٤..
٥ - هو الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله، من أكابر الصوفية، كان عالما بالأصول والمعاملات، واعظا مبكيا. ولد ونشأ بالبصرة ومات رحمه الله ببغداد سنة ٢٤٣هج. من مصنفاته :"آداب النفوس" و "السائل في إعمال القلوب والجوارح" و "المسائل في الزهد وغيره" و"المكاسب" و"الرعاية" وغيرها. ن : ترجمته في تهذيب التهذيب : ٢/١٣٤..
٦ - سورة يوسف : ٣٦..
٧ - سورة الليل : ٨ إلى ١٠..
٨ - سورة محمد : ٢٦..
٩ سورة محمد : ٢٧، وتتمة الآيتين (٢٦ و٢٧) :... والشيطان سول لهم وأملى لهم أعمالهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، والله يعلم أسرارهم..
١٠ - سورة العنكبوت : ٦٩..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي