ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

أخرج بن جرير عن السدي الكبير بأسانيده : أنه لما ضرب الله تعالى هذين المثلين للمنافقين قوله : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا وقوله : أو كصيب من السماء قال المنافقون الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال فأنزل الله سبحانه إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة وقيل : إن الله تعالى ذكر آلهة المشركين فقال : وإن يسلبهم الذباب شيئا ١ وذكر كيدهم فجعله كبيت العنكبوت فقالوا : أرأيت الله ذكر الذباب والعنكبوت أخرجه الواحدي من طريق عبد الغني عن ابن عباس وعبد الغني واه جدا، والآية مدنية ومعارضة المشركين كانت بمكة، فالأول أصح إسنادا ومعنى.
والحياء : انقباض النفس من القبيح مخافة الذم وهو الوسط بين الوقاحة وهو الجرأة وعدة المبالاة بالقبائح والخجل وهو انحصار النفس عن النفس مطلقا، وإذا وصف به الباري تعالى كما جاء في الحديث :«إن الله يستحي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه »٢ أخرجه البيهقي في الزهد عن أنس، وابن أبي الدنيا عن سليمان، وحديث :«إن الله حيي كريم إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا »٣ رواه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن سلمان. فالمراد به الترك اللازم للانفباض، وإيراد لفظ الحياء ههنا مع أن ترك مخصوص بالقبيح، وضرب المثل ليس بقبيح مبني على المقابلة لما وقع في كلام الكفرة واستقر في أذهانهم نحو وجزؤا سيئة سيئة مثلها ٤ وضرب المثل احتماله و أصله وقع شيء على آخر، وأن بصلتها مجرور عند الخليل بإضمار مِنْ، ومنصوب عند سيبويه بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها، وما إبهامية يزيد للنكرة إبهاما ويسد عنها طريق التقيد أو مزيدة وضعت لأن يذكر مع غيرها فتزيد له قوة، والبعوض فَعُولٌ من البعض بمعنى القطع غلب على صغار البق كأنها بعض البق والتاء للوحدة، وهو عطف بيان لمثلا أو مفعول ليضرب، ومَثَلاً حال أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل.
فا فوقها عطف على بعوضة، ومعناه ما زاد عليها في الجثة كالذباب والعنكبوت يعني لا يستحي عن ضرب المثل بالبعوض فضلا عما هو أكبر منه، أو ما فوقها في الحقارة يعني ما دونها في الجنة.
فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه أي المثل أو أن يضرب هو الحق الثابت على ما ينبغي الذي لا يجوز إنكاره يقال : ثَوُبٌ محقق أي محكم نسجه فإن الشيء الحقير لا بد أن يمثل بالحقير، كالعظيم بالعظيم وإن كان الممثل أعظم من كل عظيم كائنا.
من ربهم وأما الذين كفروا فلا يعلمون ذلك لكمال جهلهم.
فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ما استفهافية مبتدأ وذا بمعنى الذي مع صلته خبره، أو المجموع اسم واحد بمعنى أي شيء منصوب المحل على المفعولية، والإرادة : صفة ترجح أحد المقدورين على الآخر وفي هذا استحقار ومثلا منصوب على التميز أو الحال.
يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا جواب ماذا أي إضلال كثير وإهداء كثير وكثرة كل فريق بالنظر إلى أنفسهم، ووضع الفعل موضع المصدر للإشعار بالحدوث والتجدد يعني كلما أنزلت آية فآمنت به قوم فاهتدوا وكفرت به قوم فضلوا وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن حد الإيمان وعن أمر الله تعالى يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، والفسق في اصطلاح الشرع : ارتكاب الكبيرة وله درجات ثلاث أعلاها الكفر بما يجب الإيمان به فإن الكفر أعظم الكبائر وهو المراد بالفسق في القرآن غالبا، ثانيها انهماك الكبائر، ثالثها ارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة مستقبحا إياها.

١ سورة الحج، الآية: ٧٣.
٢ ذكره الغزالي في الدرة الفاخرة، ورواه السيوطي في الجامع الكبير عن ابن النجار بسند ضعيف. انظر كشف الخفاء٧٤٢.
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات٣٦٩٦، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء١٤٨٧.
٤ سورة الشورى، الآية: ٤٠.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير