الربع الثاني من الحزب الخامس
في المصحف الكريم
مما نلاحظه بادئ ذي بدء في هذا الربع من سورة البقرة اقتصاره من البداية إلى النهاية على موضوع البذل والإنفاق في سبيل الله، وتحريكه لهمم المسلمين وعزائمهم بشتى الوسائل، حتى يقوموا بهذا الواجب الاجتماعي الجليل.
وفي الآية الثانية من هذا الربع نداء كريم من الرحمن الرحيم إلى عباده المؤمنين بأعز صفاتهم وأكرمها عند الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ . ثم إرشاد لهم إلى أن يتفادوا الأثر السيئ الذي ينشأ عن امتنان المتصدقين بصدقتهم وأذاهم للمتصدق عليهم، حيث يحبط الله عملهم، ولا يقبل صدقتهم، بل تكون وبالا على صاحبها، بدلا من أن تكون بركة وخيرا له وللمنتفع بها لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى . وفي نفس الوقت نبه القرآن الكريم إلى أن الصدقة الحقيقية التي يقبلها الله هي الصدقة التي تنبعث عن مجرد الإخلاص والإيمان بدافع قلبي صادق، بحيث لا يبتغي من بذلها من ورائها إلا طاعة الله وامتثال أمره في الإحسان إلى إخوانه مما رزقه الله، ابتغاء مرضاة الله بالخصوص، وبحيث لا ينتظر عنها أي تعويض مادي أو أدبي، لا شكرا ممن أعطيت له، ولا ذكرا بين بقية الناس، وإن كان صانع الخير بنية صالحة مع الله لا يلقى من ربه ومن عباده إلا الخير إِنَّ الذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجعَلُ لَهُم الرَّحمَانُ وُداًّ .
وهذا التوجيه الإسلامي هو المقصود من التنظير الذي جاء في الآية الكريمة كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . بعد قوله تعالى : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى .
ثم ضرب الله المثل للمنفق المرائي والمتصدق بالمن والأذى، فقال تعالى : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفوانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فأصابه وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلداً، لاَّ يَقدِرُونَ عَلَى شَيء مِّمَّا كَسَبُوا، واللهُ لاَ يهدِي القَومَ الكَافِرِينَ( ٢٦٤ ) .
فمثل هذا النوع ببستان مزروع، غير أن الزرع فيه إنما يقع على طبقة ترابية غير سميكة، تنتهي بطبقة حجرية ملساء، ثم يفاجأ هذا الزرع بنزول مطر غزير عليه كالسيل، فيذهب بالقشرة الترابية التي كان ينبت فوقها الزرع، وتنكشف الأحجار الملساء على طبيعتها دون تراب ولا زرع، وتبلغ الحسرة بصاحبها إلى أقصى الحدود، عندما يبدو عجزه التام أمام القدرة الإلهية، فلا هو قادر على حفظ الزرع الذي ضاع له في الموسم الفلاحي، ولا هو قادر على تعويض التراب الذي ذهب من مزرعته مع السيل، وقد لا يعود أبدا.
فقلب المرائي والمتصدق بالمن والأذى يشبه الصخر الأملس الذي لا يمسك نباتا ولا ماء، وإيمانهما الضعيف الهزيل يشبه القشرة الترابية الخفيفة التي كانت تستر الصخر الأملس، ورياء المرائي ومن المنان وأذاه يشبه السيل الذي فاجأ الزرع، فذهب به وبالتراب، فلم يبق منهما ولا لهما أي أثر، كما ذهبت صدقة المرائي والمنان المؤذي أدراج الرياح.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري