الآية ٢٧١ وقوله تعالى : إن تبدوا الصدقات فنعمها هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ؛ قال بعضهم : هي الفريضة، وقال آخرون : هو تطوع١، وهو أوجه، وقال غيرهم : قوله : إن تبدوا الصدقات هي الفريضة، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء هي التطوع.
قال الشيخ، رحمه الله تعالى : لا يحتمل الإخفاء في التطوع، والإبداء في الفرض لما أخبر في الإخفاء أنه خير، ولا يكون التطوع خيرا من الفريضة، ومن حمله على الفريضة يستجب أن يظهر الزكاة المفروضة ليقتدي به، ويرغب الناس عليها، ومنهم من يستجب الإخفاء أيضا. ويقولون : في الإبداء شيئان : الصدقة نفسها والاقتداء.
وفي الإخفاء وجوه :
أحدها : الصدقة.
والآخر : ترك المراآة، وسلامتها.
والثالث : الكف عن المن والأذى. ومنهم من حمل قوله : إن تبدوا الصدقات على الفريضة، وإن تخفوها على التطوع، وذهب إلى أن الفريضة ليس فيها الرياء لأنه لا شيء عليه، فسواء فيها الإبداء والأخفاء٢، وأما التطوع ففيه الرياء لأنه معروف ليس عليه، والإخفاء له أسلم، والله أعلم.
[ وقوله تعالى : ويكفر عنكم من سيئاتكم فيه دليل أن من السيئات ما تكفرها الصدقة، ومنها ما لا تفكر، وقيل : إن من ههنا صلة، ففيه إطماع تكفر السيئات كلها بالصدقة كقوله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات [ هود : ١١٥ ]. وهو نقض على المعتزلة لأنهم لا يرون تفكير الكبائر بغير التوبة عنها، ولا التعذيب على الصغائر، . فأما إن كانت الآية في الكبائر فبطل قولهم : لا تكفر بعير التوبة، أو في الصغائر فيبطل قولهم :{ إنها مغفورة إذ وعدت بالصدقة لأنهم يخلدون صاحب الكبائر في النار، والله تعالى أطمع له تكفير السيئات كلها بالصدقة، والله الموفق. ]٣
وقوله تعالى : والله بما تعلمون خبير فيه وعيد وتحذير أنه يعلم ما تسرون وما تعلنون [ النحل : ١٩ ] في الصدقات، ويحتمل تعملون خبير من جزائكم. قال ابن عباس رضي الله عنه، في قوله : إن تبدوا الصدقات الآية٤ ( جعل الله تعالى صدقة السر في التطوع تفضل [ على ]٥ علانيتها بسبعين ضعفا وجعل الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع٦ الفرائض والنوافل في الأشياء كلها ).
وفي بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، [ أنه ]٧ قال :( صدقت السر تطفئ غضب الرب ) [ الطبراني في الصغير ١٠١١ ]. و( صنائع المعروف تدفع٨ مصارع السوء ) [ الطبراني في الأوسط ٦٢٢٢ ] ( وصلة الرحم تزيد في العمر ) [ ابن عساكر ٥/٢١٠ ] وعن٩ الحسن [ أنه ]١٠ قال :( الإبقاء على العمل أشد من العمل ) وذلك إن العبد ليعمل سرا، فيكتب١١ له عمل السر، فلا يزال به الشيطان حتى ينسخ من عمل السر إلى عمل العلانية، ثم لا يزال به. الشيطان حتى يحب أن يحمد حتى يكتب له من عمل العلانية في الرياء.
٢ من ط ع، في الأصل وم: الإظهار..
٣ من ط ع، أدرجت في الأصل وم بعد: العلانية في الرياء..
٤ أدرجت تتمة الآية في ط ع بدل هذه الكلمة..
٥ من ط ع..
٦ من ط ع وم، في الأصل: جمع..
٧ من ط ع..
٨ في ط ع: تفي..
٩ الواو ساقطة من النسخ الثلاث..
١٠ ساقطة من النسخ الثلاث..
١١ في النسخ الثلاث: فكتب..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم