ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

قوله تعالى : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين٣٥
[ ١٩ ] : مسألة : في الجنة التي أخرج منها آدم عليه السلام.
يرى ابن حزم أن الجنة التي أخرج منها آدم عليه السلام هي جنة الخلد التي هي دار ثواب المتقين.
قال ابن حزم :
وكان القاضي منذر بن سعيد١ يذهب إلى أن الجنة والنار مخلوقتان إلا أنه كان يقول : إنها ليست التي كان فيها آدم عليه السلام وامرأته، واحتج في ذلك بأشياء منها :
أنها لو كانت جنة الخلد لما كان أكل من الشجرة رجاء أن يكون من الخالدين.
واحتج أيضا بأن جنة الخلد لا كذب فيها، وقد كذب فيها إبليس.
وقال من دخل الجنة لم يخرج منها، وآدم وامرأته عليهما السلام قد خرجا منها.
قال ابن حزم : كل هذا لا دليل له فيه.
أما قوله : إن آدم عليه السلام أكل من الشجرة رجاء أن يكون من الخالدين فقد علمنا أن أكله من الشجرة لم يكن ظنه فيه صوابا، ولا أكله لها صوابا، وإنما كان ظنا، ولا حجة فيما كان هذه صفته، والله عز وجل لم يخبره بأنه مخلد في الجنة ؛ بل قد كان في علم الله تعالى أنه سيخرجه منها، فأكل عليه السلام من الشجرة رجاء الخلد الذي لم يضمن له، ولا يتيقن به لنفسه.
أما قوله : إن الجنة لا كذب فيها وأن من دخلها لم يخرج منها وقد كذب فيها إبليس، وقد خرج منها آدم وامرأته، فهذا لا حجة له فيه، وإنما تكون كذلك إذا كانت جزاء لأهلها كما أخبر عز وجل عنها حيث يقول : لا تسمع فيها لاغية ٢.
فإنما هذا على المستأنف لا على ما سلف، ولا نص معه على ما ادعى ولا إجماع.
واحتج أيضا بقول الله عز وجل لآدم عليه السلام : ألا تجوع فيها ولا تعرى١١٨ ٣.
قال : وقد عري فيها آدم عليه السلام.
قال ابن حزم : وهذا لا حجة له فيه، بل حجة عليه، لأن الله عز وجل وصف الجنة التي أسكن فيها آدم عليه السلام بأنها لا يجاع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يضحى، وهذه صفة الجنة بلا شك، وليس في شيء مما دون السماء مكان هذه صفته بلا شك، بل كل موضع دون السماء لا بد وأن يجاع فيه ويعرى، ويظمأ ويضحى، ولا بد من ذلك ضرورة، فصح أنه إنما سكن المكان الذي هذه صفته وليس هو غير الجنة ألبته، وإنما عري آدم حين أكل من الشجرة فأهبط عقوبة له.
وقال أيضا٤ : قال الله عز وجل : لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا١٣ ٥ وأخبر آدم أنه لا يضحى.
قال ابن حزم : وهذا أعظم حجة عليه ؛ لأنه لو كان في المكان الذي هو فيه شمس ؛ لأضحى فيه ولا بد.
فصح أن الجنة التي أسكن فيها آدم كانت لا شمس فيها فهي جنة الخلد بلا شك.
وأيضا فإن قوله عز وجل : اسكن أنت وزوجك الجنة ٦ إشارة بالألف واللام ولا يكون ذلك إلا على معهود، ولا تطلق الجنة هكذا إلا على جنة الخلد، ولا يطلق هذا الاسم على غيرها إلا بالإضافة.
وأيضا فلو أسكن آدم عليه السلام جنة في الأرض، لما كان في إخراجه منها إلى غيرها من الأرض عقوبة، بل قد بين تعالى أنها ليست في الأرض بقوله تعالى : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ٢٤ ٧ فصح يقينا بالنص أنه قد أهبط من الجنة إلى الأرض فصح أنها لم تكن في الأرض ألبته، وبالله التوفيق٨.

١ هو منذر بن سعيد البلوطي، أبو الحكم الأندلسي، قاضي الجماعة بقرطبة، ينسب إلى قبيلة يقال لها: كزنه، وهو من موضع قريب من قرطبة، يقال له: فحص البلوط، قال ابن بشكوال، منذر بن سعيد خطيب بليغ مصقع، لم يكن بالأندلس أخطب منه مع العلم البارع، والمعرفة الكاملة واليقين في العلوم، والدين والورع، وكثرة الصيام والتهجد، والصدع بالحق، كان لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد استسقى غير مرة فسقي أ هـ مات سنة ٣٥٥ هـ سير أعلام النبلاء (١٧٣/١٦ ـ ١٧٨).
٢ الغاشية: ٢١.
٣ طه: ١١٨.
٤ أي القاضي منذر بن سعيد.
٥ الإنسان: ١٣.
٦ البقرة: ٥٣.
٧ الأعراف: ٢٤، وفي الأصل المطبوع: اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، بزيادة "منها جميعا" وهو تصحيف.
٨ الفصل (٢٩٣/٢ـ ٢٩٤) والدرة (٢١٥ـ ٢١٦).

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير