ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

وقيل: كان من الجن الذين كانوا قبله (١) على مذهب من جعله منهم (٢).
فإن قيل: كيف جمع، ولم يكن في ذلك الوقت كافر غير إبليس (٣)؟ فيقال: إن الله سبحانه علم أنه يكون (٤) بعد إبليس كافرون، كقول إبراهيم (٥) وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [الأنبياء: ٥٦] معناه: أنه علم (٦) أنه سيكون بعده من يشهد على قومه بمثل شهادته (٧). وقيل: كان من القوم الذين إذا فعل واحد منهم مثل فعله كان مثله (٨). وعلى ما قاله سعيد بن المسيب (٩)، لا يتوجه هذا السؤال.
٣٥ - قوله تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الآية. (اسكن

(١) (قبله) ساقطة من (ب).
(٢) انظر "تفسير الثعلبي" ١/ ٦٤ أ، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ٢٤٨، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٢٥٢، "البحر" ١/ ١٥٤.
(٣) يرد هذا السؤال على قول من قال: إن إبليس أول كافر. ولم يسبقه كفر، أما عند من قال: إنه سبقه كفار وهم الجن سكان الأرض. فلا يرد أصلا، انظر "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٤٨، و"تفسير القرطبي" ١/ ٢٥٥، و"تفسير الرازي" ٢/ ٢٣٧، و"البحر" ١/ ١٥٤.
(٤) في (ب): (سيكون).
(٥) في (ب): (إبراهيم عليه السلام).
(٦) في (ب): (عالم).
(٧) انظر: "تفسير الرازي" ٢/ ٢٣٨.
(٨) ذكره الرازي في "تفسيره" ٢/ ٢٣٨.
(٩) قول سعيد الذي سبق: هو: أن إبليس سبي من الجن فنشأ بين الملائكة. فعلى هذا القول يتوجه أنه ليس أول كافر كما سبق.

صفحة رقم 376

الجنة) (١) أي: اتخذها مأوى ومنزلا (٢)، وليس معناه: استقر في مكانك ولا تتحرك، وهذا اللفظ مشترك، يقال: أسكنه، أي: أزال حركته، وأسكنه مكان كذا (٣)، أي جعله مأوى ومنزلا له، والأول الأصل، قالوا (٤): ومنه السكين (٥)، لأنه الآلة التي تسكن حركة الحيوان (٦).
وقوله: (أنت) تأكيد للضمير الذي في الفعل (٧)، وإنما أكد به ليحسن العطف عليه، فإن العرب لا تكاد تعطف إلا على ظاهر، يقولون: اخرج أنت وزيد، ولا يكادون يقولون: اخرج وزيد، إلا في الضرورة (٨)، ومثله قوله: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ [المائدة: ٢٤].
وقوله: وَزَوْجُكَ لفظه مذكر، ومعناه مؤنث، وذلك أن الإضافة تلزم هذا الاسم في أكثر الكلام، وكانت مبينة (٩) له فكان (١٠) طرح الهاء أخف مع الاستغناء بدلالة الإضافة.

(١) في (ب): (معنى اسكن الجنة).
(٢) انظر: "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٤٩، و"القرطبى" ١/ ٢٥٥، "البحر" ١/ ١٥٥.
(٣) في (أ): (وكذا) وفي (ج)، كتبت ثم شطبت والصحيح حذفها.
(٤) (قالوا) ساقط من (ج).
(٥) في (ب): (التسكين).
(٦) انظر: "التهذيب" (سكن) ٢/ ١٧٢٣، "مقاييس اللغة" (سكن) ٣/ ٨٨، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٢٥٥، "البحر" ١/ ١٥٥.
(٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١٦٣، و"تفسير ابن عطية" ١/ ٢٤٩، و"تفسير القرطبي" ١/ ٢٥٦، "البحر" ١/ ١٥٦.
(٨) مذهب البصريين أنه لا يجوز العطف إلا في الضرورة، وأجاز الكوفيون ذلك. انظر "الإنصاف" ص ٣٨٠، "البحر" ١/ ١٥٦.
(٩) في (ج): (مبنية).
(١٠) في (ب): (وكان).

صفحة رقم 377

وكان الأصمعي يؤثر ترك (١) الهاء في الزوجة، ويرى أن أكثر كلام العرب عليه. والكسائي على خلاف ذلك (٢)، والاختيار ما قاله الأصمعي، لأن القرآن كله عليه (٣).
والمراد بقوله: الْجَنَّةَ جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلا جنة الخلد (٤).
وقوله تعالى: وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا (٥). (الرّغَد) و (الرَّغْد): سعة المعيشة،

(١) (ترك) ساقطة من (ب).
(٢) في (أ)، (ج): (ذكر) وما في (ب) هو الصحيح. وانظر اختلافهم في "اللسان" (زوج) ٣/ ١٨٨٥، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٢٥٧.
(٣) قال الفراء (الزوج) يقع على المرأة والرجل. هذا قول أهل الحجاز. قال عز وجل أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: ٣٧]. وأهل نجد يقولون: (زوجة) وهو أكثر من (زوج) والأول أفصح عند العلماء). (المذكر والمؤنث): ص ٩٥، وانظر (المذكر والمؤنث) لابن الأنباري: ص ٥٠٣، "تفسير الطبري" ١/ ٢٢٩. ومما جاء على (زوجة) قول عمار في شأن عائشة (إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة). وانظر: "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٤٩، وقال القرطبي: (وقد جاء في صحيح مسلم لفظ (زوجة) في حديث أنس وفيه يا فلان هذِه زوجتي فلانة). "تفسير القرطبي" ١/ ٢٥٦.
(٤) وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين، وفيه الرد على من قال: إنها جنة في الدنيا وهو قول المعتزلة والقدرية.
انظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ٦٤ ب، و"تفسير ابن عطية" ١/ ٢٤٩، و"تفسير القرطبي" ١/ ٢٥٨، و"تفسير ابن كثير" ١/ ٨٤. قال ابن الجوزي وقيل: جنة عدن، "زاد المسير" ١/ ٦٦.
(٥) في (ج): (فكلا) تصحيف.

صفحة رقم 378

يقال: عيش رَغَدٌ ورَغْدٌ. ورَغِدَ عيشهم أي: اتسع (١)، قال (٢) امرؤ القيس:

بَيْنَما المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً يَأْمَنُ الأحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ (٣)
وقال ابن دريد: عيش رَاغِد ورَغَد ورَغِيد، والرَّغِيدَة: الزبدة، ويقال: أَرْغَد القوم إذا وقعوا في عيش رغد (٤).
الليث: (الرغد): أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء (٥).
وقوله تعالى: حَيْثُ شِئْتُمَا. (حيث) بني على الضم تشبيها بالغاية، نحو: (قبل) و (بعد) وذلك أنه منع الإضافة إلى الاسم المفرد كما منعت الغاية الإضافية، فبني لأجل الشبه على الضم بالغاية (٦)، ونذكر الكلام في هذا بأبلغ من هذا الشرح عند قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ.
(١) انظر: "الصحاح" (رغد) ٢/ ٤٧٥، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٣٣، "مقاييس اللغة" ٢/ ٤١٧، "تفسير الطبري" ١/ ٢٣٠، ، "اللسان" ٣/ ١٦٨٠.
(٢) في (ب): (وقال).
(٣) ورد البيت منسوبًا لامرئ القيس في الطبري ١/ ٢٣٠، وفي "الوسيط" للمؤلف ١/ ٨٣، و"تفسير ابن عطية" ١/ ٢٥١، و"البحر" ١/ ١٥٥، و"الدر المصون" ١/ ٢٨١، قال محمود شاكر في حاشية الطبري: لم أجده فيما جمع من شعر امرئ القيس، وقد بحثت في (الديوان) فلم أجده.
(٤) "الجمهرة" ٢/ ٦٣٣.
(٥) لم أجده عن الليث، انظر: "العين" (رغد) ٤/ ٣٩٢، و"تهذيب اللغة" (رغد) ٢/ ١٤٣٣، و"الصحاح" (رغد) ٢/ ٤٧٥، و"اللسان" (رغد) ٣/ ١٦٨٠.
(٦) وقد ذكر سيبويه فيها وجها آخر وهو الفتح وقال الكسائي: الضم لغة قيس وكنانة، والفتح لغة بني تميم، وقال: وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب، ويقال: حوث. انظر: "الكتاب" ٣/ ٢٨٦، و"إعراب القرآن" للنحاس١/ ١٦٣، و"تهذيب اللغة" (حيث) ١/ ٩٤٩، "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٥١، وقد ذكر الواحدي هذِه الوجوه عند تفسير قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة: ١٩٩]. كما وعد هنا.

صفحة رقم 379

وقوله: وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ. قيل معناه: لا تقرباها بالأكل، لأن آدم عصى بالأكل منها، لا بأن قربها (١).
وقيل: إن النهي عن الأكل داخل في قوله: وَلَا تَقْرَبَا فهو نهي بأبلغ لفظ يكون (٢).
وقيل: قربَ فلانٌ أهلَه قربانًا، أي [غشيها] (٣) وما قرِبْتُ هذا الأمر ولا قَرَبتُه قُرْبَاناً وقُرْباً (٤).
و (الشجرة) في اللغة: ما لها ساق يبقى في الشتاء، و (النجم) ما ليس على ساق، ومنه قوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٥) [الرحمن: ٦]. وسميت شجرة لتشابك أغصانها (٦)، وتداخل بعضها في بعض، والشجرة تعم النخلة والتينة والكرمة وغيرها (٧)، واليقطين قد سمي شجراً في قوله: وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [الصافات: ١٤٦].

(١) وبهذا قال الزجاج في "المعاني" ١/ ٨٣، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ٢٥٢، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٦٦، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٢٦٥.
(٢) ذكره ابن عطية في "تفسيره" ١/ ٢٥٢، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٢٦٥، وبه أخذ أبو حيان في "البحر" ١/ ١٥٨.
(٣) في (أ)، (ج): (عيشها)، وفي (ب): (ان عشيها)، والتصحيح من "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٤.
(٤) ذكره الأزهري في الليث. "التهذيب" (قرب) ٣/ ٢٩١٤. "اللسان" (قرب) ٦/ ٣٥٦٦.
(٥) قيل إن المراد بالنجم في الآية نجم السماء، والأرجح أنه مالا ساق له من الشجر، انظر: "تفسير الطبري" ٢٧/ ١١٦، و"القرطبي" ١٧/ ١٥٤.
(٦) في (أ)، (ج): (أعضائها)، وما في (ب) هو الصحيح.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٣١، "التهذيب" (شجر) ٢/ ١٨٣٠، "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٥٢، "مفردات الراغب" ص ٢٥٦، و"تفسير القرطبي" ١/ ٢٦٦، و"تفسير الرازي" ١/ ٦.

صفحة رقم 380

قال الحسين بن الفضل: إن آدم نهي عن أكل الشجرة فعصى بذوقها، وهو دون الأكل، فدل على أن الذي نهي عن شرب المسكر يعصي بشرب اليسير منه قدر ما يقع عليه اسم الذوق.
واختلفوا في الشجرة التي نهي آدم عنها، فقال ابن عباس، وعطية، ووهب، وقتادة: إنها السنبلة، قال وهب: وكانت الحبة منها ككلية البقر، ألين من الزبد، وأحلى من العسل (١).
وقال ابن مسعود والسدي: هي الكرم (٢). وقال ابن جريج (٣): إنها التين (٤).
وقال محمد بن (٥) جرير والحسين بن الفضل: إن الله سبحانه أخبر أنه نهى آدم عن أكل شجرة ما، ولم ينصب لنا دلالة عليها بعينها، فنحن نعلم

(١) أقوالهم في الطبري في "تفسيره" ١/ ٢٣١ - ٢٣٢، و"ابن أبي حاتم" ١/ ٨٦، و"الثعلبي" ١/ ٦٤ ب.
(٢) وروى هذا عن ابن عباس وسعيد بن جرير والشعبي وغيرهم.
انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٣٢، و"تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٨٦، و"تفسير الثعلبي" ١/ ٦٤ ب.
(٣) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أحد العلماء المشهورين، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل. توفي سنة تسع وأربعين ومائة، انظر: "تاريخ بغداد" ١٠/ ٤٠٠، "وفيات الأعيان" ٣/ ١٦٣.
(٤) "تفسير الطبري" ١/ ٢٣٢، و"تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٨٦.
وفي اسم الشجرة أقوال كثيرة غير هذه. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٨٦ - ٨٧، والثعلبي ١/ ٦٠ ب، "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٥٢، "زاد المسير" ١/ ٦٦، "التعريف والإعلام" للسهيلي: ص ١٩، "غرر التبيان في مبهمات القرآن": ص ٣٩، رسالة ماجستير، "مفحمات الأقران في مبهمات القرآن" للسيوطي ص ١٢.
(٥) (محمد) ساقط من (ب).

صفحة رقم 381

أنه كان منهياً عن أكل شجرة ما، وليس علينا من الجهل بتفصيله شيء (١). واختلفوا في كيفية أكل آدم من الشجرة. فقال بعضهم: [انهى] (٢) نهي عن جنس من الشجرة، ونص له على واحد بعينه، فتأول أن التحريم في واحدة بعينها فأكل من جنسها (٣). وقال بعضهم: إنه نسي الوجوب وحمل النهي فيه على التنزيه، وإن كان فيه ما يدل على أنه للتحريم، وهو اقترانه بذكر الوعيد في قوله: فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٤). وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما يستثني ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها، فأكل (٥). ورُدّ هذا على سعيد بأن قيل: لو كان الأمر على ما وصف لم يكن عاصياً، والله تعالى، أخبر عنه بالعصيان (٦)،

(١) ومما قاله الطبري (.. وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به)، "تفسير الطبري" ١/ ٢٣٢. وبهذا قال أكثر المفسرين، إن الإطالة في هذا من التكلف الذي لا فائدة فيه، ولكفينا ما ذكر الله في كتابه: أنه نهى آدم عن أكل الشجرة، وأن آدم عصى ربه وأكل منها، ثم تاب عليه. انظر: "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٥٢، و"تفسير الرازي" ٣/ ٥. و"تفسير ابن كثير" ١/ ٨٤.
(٢) كذا في جميع النسخ ولعلها (إنه).
(٣) انظر "تفسير الثعلبي" ١/ ٦٤ ب، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٨، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٢٦٠، "زاد المسير" ١/ ٦٨.
(٤) انظر "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٨، و"زاد المسير" ١/ ٦٨، ورجع الرازي أن النهي للتنزيه، وقال: إن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء -عليهم السلام- كان أولى، وأجاب عن أدلة الذين قالوا: إنه للتحريم. انظر "تفسير الرازي" ٣/ ٥.
(٥) ذكره الطبري في "تفسيره" ١/ ٢٣٧، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ٦٥ أ، وابن العربي في "أحكام القرآن" ١/ ١٨، والقرطبي ١/ ٢٦٠.
(٦) وقد رده ابن العربي ردَّا قويًّا حيث قال: (أما القول بأن آدم أكلها سكران ففاسد نقلا وعقلا: أما النقل: فلأن هذا لم يصح بحال، وقد نقل عن ابن عباس أن =

صفحة رقم 382

وفي الجملة كان ذلك الأكل معصية من آدم، ولكنه كان قبل النبوة.
وقوله تعالى: فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. قال الفراء: إن شئت جعلت (فتكونا) جواباً نصباً، لأنه جواب النهي بالفاء. وإن شئت عطفته على أول الكلام، فكان جزماً مثل قول امرئ القيس (١):

فَقُلْتُ لَهُ صَوِّب ولا تُجْهِدَنَّه فَيُذْرِكَ (٢) مِنْ أُخْرى القَطَاةِ فَتزْلَقِ (٣)
= الشجرة التي نهي عنها الكرم، فكيف ينهى عنها ويوقعه الشيطان فيها، وقد وصف الله خمر الجنة بأنها لا غول فيها، فكيف توصف بغير صفتها التي أخبر الله تعالى عنها. وأما العقل: فلأن الأنبياء بعد النبوة منزهون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض واقتحام الجرائم "أحكام القرآن" ١/ ١٩. وأقول: لا داعي لكل هذه التوجيهات لفعل آدم -عليه السلام- بل الأولى أن نجيب بما قال الله عنه: فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) [طه: ١٢١ - ١٢٢].
(١) كذا منسوبًا إلى امرئ القيس في أكثر المصادر، ونسبه سيبويه إلى (عمرو ابن عمار الطائي) قال عبد السلام هارون معلقا على نسبته إلى امرئ القيس: ليس في "ديوانه". قلت: هو في "ديوانه" ص ١٠٦.
(٢) في (أ)، (ج): (فيدرك) بالدال، وفي (ب): (فتدرك)، وكلاهما تصحيف.
(٣) يروى (فيدنك) كذا عند سيبويه. يقول مخاطبًا للغلام الذي سبق ذكره في الأبيات قبله: صوب الفرس ولا تجهده، لا تحمله على العدو فيصرعك، يقال: أذراه عن فرسه: إذا صرعه وألقاه، والقطاة من الفرس: موضع الردف. انظر: "ديوان امرئ القيس" ص ١٧٤، "الكتاب" ٣/ ١٠١، "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٦، و"تفسير الطبري" ١/ ٢٣٤، "اللسان" (ذرا) ٣/ ١٤٩١، "الخزانة" ٨/ ٥٢٦، "الدر المصون" ١/ ٢٨٦، "البحر" ١/ ١٥٩. والشاهد عند سيبويه: جزم (فيدنك) حملا على النهي، ولو أمكنه النصب بالفاء على جواب النهي لجاز.

صفحة رقم 383

فجزم (١)، ومعناه: كأنه تكرير النهي.
ومعنى الفاء والنصب جزاء (٢)، أي لا تفعل هذا فيفعل بك، فلما عطف حرف على غير ما يشاكله، وكان في أوله حادث لا يصلح في الثاني نصب (٣).
وقال الزجاج: إنما نصب بإضمار (أن) (٤). ومثله (٥) مما نصب بالفاء قوله: وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ [طه: ٨١] لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ [طه: ٦١]، (٦). وما كان من نهي (٧) ففيه الوجهان، ولا يجوز الرفع إلا أن تريد الاستئناف ولا تجعله جواباً، كقولك: لا تركبْ إلى فلان

(١) (جزم) ساقط من (ج).
(٢) في "المعاني" للفراء: (ومعنى الجواب والنصب لا تفعل هذا فيفعل بك مجازاة، فلما عطف حرف.. إلخ) ١/ ٢٧.
(٣) انتهى ما نقله عن الفراء، ويعود للنقل منه بعد كلام الزجاج. "معاني القرآن" ١/ ٢٦، ٢٧، وما ذكره هو مذهب الكوفيين في الفعل المضارع الواقع بعد الفاء في جواب: الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض. ينصب بالخلاف، أي أن الجواب مخالف لما قبله. انظر: "الإنصاف" ٢/ ٥٥٧، "الدر المصون" ١/ ٢٨٦، ونصر هذا القول الطبري في "تفسيره" ١/ ٢٣٤.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٨٣. وقال: نصبه عند سيبويه والخليل بإضمار (أن). وما ذكر هو مذهب البصريين كما في "الإنصاف" ٢/ ٥٥٧، ٥٥٨، وبهذا قال الأخفش في "المعاني" ١/ ٢٢٢، وانظر: "الدر المصون" ١/ ٢٨٦، وقد رد هذا القول الطبري في "تفسيره" ١/ ٢٣٤.
(٥) هذا عود على كلام الفراء.
(٦) والآيتان وردتا ضمن كلام الفراء.
(٧) في "معاني القرآن" للفراء: (وما كان من نفي ففيه ما في هذا (يريد ما في النهي) ولا يجوز الرفع في أحد الوجهين (النفي والنهي) إلا أن تريد الاستئناف.. إلخ) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٧.

صفحة رقم 384

فيركبُ إليك، يريد (١) لا تركب إليه فإنه سيركب إليك.
قال الأعشى (٢):

ألمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَدِيَم فَيَنْطِقُ وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَومَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ (٣)
أراد ألم تسأل الربع، فإنه يخبرك عن أهله (٤).
وقوله تعالى: مِنَ الظَّالِمِينَ. يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُه ظُلمًا، فالظلم مصدر حقيقي، والظلم الاسم يقوم مقام المصدر. ومن أمثال (٥) العرب: (من أشبه أباه فما ظلم). قال الأصمعي: أي ما وضع الشبه غير موضعه (٦).
(١) في جميع النسخ (يريد) وبالتاء جاء في "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٧.
(٢) البيت لجميل بن معمر العذري، كما في "الخزانة" ٨/ ٥٢٦. وفي "ديوانه": ص ١٤٥. وكذا نسبه أكثرهم، ولم أجد من نسبه للأعشى، ولعله اشتبه عند الواحدي بقول الأعشى:
وإن أمرا أسرى أليك ودونه من الأرض موماة وبيداء سملق
(٣) يروى البيت (القواء) مكان (القديم)، معنى الربع: الدار بعينها حيثما كانت. والقواء: القفر، وكذا البيداء، والسملق: الأرض المستوية، أو الجرداء لا شجر فيها، يقول: وقد تخيل القواء ناطقا، ألا تسأله، ثم نفى ذلك عنه وحقق أنه لا يجيب سائله لعدم القاطنين به. ورد البيت في "الكتاب" ٣/ ٣٧، "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٧، "الجمل" للزجاجي: ص ١٩٤، "شرح المفصل" ٧/ ٣٦، "همع الهوامع" ٤/ ١٢٢، ٥/ ٢٣٥، وشرح "شذرات الذهب": ص ٣٦٧، "الخزانة" ٨/ ٥٢٤، "مغني اللبيب" ١/ ١٦٨، "ديوان جميل ": ص ٧٠.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٧.
(٥) ذكره الأزهري عن الليث. "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٤٨، وانظر: "لسان العرب" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٧.
(٦) ويجوز أن يكون المعنى: فما ظلم الأب: أي لم يظلم حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري ٢/ ٢٤٤، "الوسيط" في الأمثال =

صفحة رقم 385

وقال أحمد بن يحيى وأبو الهيثم: يقال: ظلمت السّقاء، وظلمت اللبن إذا شربته أو سقيته قبل إدراكه وإخراج زبدته (١). وقال ابن السكيت: ظلمت وطبي (٢) للقوم بهذا المعنى (٣). قال أبو عبيد: ويقال لذلك اللبن المظلوم والظليم (٤)، وأنشد شمر:

وقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكِدِ الظَّليِمُ (٥)
وقال الفراء: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعاً لم يكن ناله فيما خلا، وأنشد:
يَكَاد يَطْلُعُ ظُلْماً ثُمَّ يَمْنَعُه عَنِ الشَّوَاهِقِ فَالوَادِي بِهِ شَرِقُ (٦)
قال: ويقال: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الجحر لم تحفره
= للمؤلف ص ١٥٥، "المستقصي" ٢/ ٣٥٢، "مجمع الأمثال" ٢/ ٣٠٠، "تهذيب اللغة" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٨، "اللسان" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٧.
(١) في "تهذيب اللغة": أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى وعن أبي الهيثم أنهما قالا: ثم ذكره ٣/ ٢٢٤٩، "اللسان" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٨.
(٢) الوطب: سقاء اللبن. انظر (القاموس) (وطب): ص ١٤٢.
(٣) انظر "إصلاح المنطق": ص ٣٥٢، "تهذيب اللغة" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، "اللسان" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٨.
(٤) في "التهذيب": المظلوم والظليمة، ٣/ ٢٢٤٩، وكذا "اللسان" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٧.
(٥) البيت غير منسوب في "تهذيب اللغة" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، وكذا في "الصحاح" ٥/ ١٩٧٨، "مقاييس اللغة" ٣/ ٤٦٩، "اللسان" ٥/ ٢٧٥٧، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٢٦٤، والعكد: أصل (اللسان).
(٦) البيت في "معاني القرآن" للفراء١/ ٣٩٧، "تهذيب اللغة" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، "اللسان" ٥/ ٢٧٥٨، غير منسوب.

صفحة رقم 386

فتسكنه (١). وقال ابن السكيت في قول النابغة:
والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بِالمظْلُومَةِ الجَلَدِ (٢)
يعني بالمظلومة أرضاً في برية حوّضوا فيها حوضاً سقوا فيه إبلهم، وليست بموضوع تحويض. قال: وأصل الظلم، وضع الشيء غير (٣) موضعه، قال: ومنه قول ابن مقبل:
هُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ (٤)

(١) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣٩٧، "تهذيب اللغة" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، وانظر "الصحاح" (ظلم) ٥/ ١٩٧٨، "اللسان" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٨.
(٢) عجز بيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر وصدره:
إلاَّ أَوَاريُ لَأْيًا ما أُبَيِّنُهَا
الأواري: محابس الخيل، وتروى (الأواري) بالرفع على البدل، وبالنصب على الاستثناء، لأياً: بطئا، والمعنى أبينها بعد لأي لتغير معالمها، والنُّؤْي: حاجز حول الخباء يمنع عنه الماء، والمظلومة: أرض حفر فيها الحوض لغير إقامة، فظلمت لذلك، والجلد: الصلبة. ورد البيت في "الكتاب" ٢/ ٣٢١، "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٨٨، ٤٨٠، "تفسير الطبري" ١/ ٢٣٤، "المقتضب" ٤/ ٤١٤، "التهذيب" "ظلم" ٣/ ٢٢٤٩، "الجمل" للزجاجي ص ٢٣٦، "الإنصاف" ص ٢٣٤، "الأزهية في علم الحروف" ٨٠، "الهمع" ٣/ ٢٥٠، ٢٥٥، "شرح المفصل" ٢/ ٨٠، "الخزانة" ٤/ ١٢١، "الدر المصون" ١/ ٢٨٦، "ديوان النابغة": ص ٩.
(٣) في "تهذيب اللغة" (في غير) ٣/ ٢٢٤٩.
(٤) وصدره:
عَادَ الأذِلَّةُ في دَارٍ وَكَان بِهَا
قوله: هرت الشقاشق: أي: ماهرون في الخطابة والكلام، تقول العرب للخطيب الجهير الصوت الماهر بالكلام: هو أهرت الشِّقْشِقَة. والشِّقْشِقَة: لحمة كالرئة يخرجها البعير الفحل من فيه عند هياجه. =

صفحة رقم 387

وظلم الجزور أنهم نحروها من غير مرض، فوضعوا النحر في غير موضعه (١). وقول زهير:
... وَيُظْلَمُ أَحْيَاناً فَيَنْظَلِمُ (٢)
أي يطلب منه في غير موضع الطلب (٣).
ومعنى قوله: فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ أي من العاصين الذين وضعوا الأمر غير موضعه (٤).
والعاصي ظالم لوضعه أمر الله في غير موضعه، ووضعه المعصية حيث يجب أن يطيع.
وقال بعضهم: معنى (٥) قوله: فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ أي (٦): الباخسين

= ورد البيت في "ديوان ابن مقبل": ص ٨١، "التهذيب" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، "اللسان" (هرت) ٨/ ٤٦٤٧، "شقق" ٤/ ٢٣٠٠، (ظلم) ١/ ٢٧٥٨. "الصحاح" (ظلم) ٣/ ١٩٧٨، "جمهرة اللغة" ١/ ١٣٨، "مقاييس اللغة" (ظلم) ٣/ ٤٦٩، و"تفسير القرطبي" ١/ ٢٦٤، "أمالي القالي" ٢/ ١٠١.
(١) انتهى كلام ابن السكيت ملخصًا من "تهذيب اللغة" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩. ولم أجده في "إصلاح المنطق".
(٢) جزء من بيت، وصدره:
هُوَ الجَوَادُ الذِي يُعْطِيكَ نَائلَهُ... عَفْواَ وَيُظلَمُ..............
ويروى (هذا الجواد)، (فيطلم) و (فيظلم) والبيت قاله زهير في مدح هرم بن سنان ورد في "الكتاب" ٤/ ٤٦٨، "تهذيب اللغة" (ظلم) ١/ ٢٢٥٠، "الصحاح" (ظلم) ٥/ ١٩٧٧، "مقاييس اللغة" (ظلم) ٣/ ٤٦٩، "اللسان" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٩، "شرح المفصل" ١٠/ ٤٧، "شرح ديوان زهير" ص ١٥٢.
(٣) في "تهذيب اللغة" ١/ ٢٢٥٠ (ظلم): (وقال الأصمعي في قول زهير..).
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٣٤.
(٥) (معنى قوله) ساقط من (ب).
(٦) في (ب): (أي من).

صفحة رقم 388

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية