وقوله تعالى : اسكن أنت وزوجك الجنة |البقرة : ٣٥| أمر إباحة وكذا قوله تعالى : وكلا منها .
٣٥ – قوله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة |البقرة : ٣٥|.
نهي وليس فيه دليل على أن مجرده يحمل على التحريم أو الكراهة، لأنه قد اقترنت به قرينة تدل على أن المراد به التحريم لقوله تعالى : فتكونا من الظالمين |البقرة : ٣٥| وقد ذكر القاضي أبو محمد في " تفسيره " ١ أن في الآية ما يدل على أنه على التحريم، وهو وهم، ولا خلاف أن إبليس متولي غواية٢ آدم. واختلف في الكيفية، فقيل : دخل الجنة بعد إخراجه منها وأغواهما مشافهة. وقيل : لم يدخل الجنة إلا آدم بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم سلطانه ووسواسه الذي أعطاه الله إياه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " ٣ وفي هذه الآية ما يبطل قول من أنكر الجن و الشياطين. وفيه أيضا الرد على من أنكر أن الجنة مخلوقة الآن، وزعم أنها ستخلق بعد. وقد ذكر بعضهم الخلاف في الجنة التي أسكنها آدم وزوجته هل هي جنة الخلود، أو جنة أعدت لهما ؟ قال : وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثابا لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل خروجه منها. ورأيت ابن حزم قد ذكر وزعم أن منذر بن سعيد ذهب إليه٤.
وقد استدل قوم بقصة آدم في أكله من الشجرة بعد النهي على جواز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام واحتجوا بقوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى |طه : ١٢١| وهي مسألة قد اختلف فيها اختلافا كثيرا لأشياء وردت عن قوم من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام توهم ذلك، وقد اعتذر قوم عنها، فمما اعتذر به في قصة آدم عليه السلام أن قيل : إنما أكلا من غير الشجرة التي أشير إليها، فلم يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها. وقال آخرون : تأولا النهي على الندب٥. وقال ابن المسيب : إنما أكل آدم من بعد أن سقته حواء الخمر، فكان في غير عقله٦. وأما الذين جوزوا المعاصي، فقالوا : إنما أكلها عامدا بخلاف النهي، وما وجد إلى التأويل سبيل فهو الوجه. ووجه التأويل في قوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى |طه : ١٢١| أي فعل فعلا صورته صورة المعصية لأنه في مقابلة النهي، فهو من حيث أنه خلاف الأمر معصية وغواية فإن كان عن عمد وذكر فهو الحقيقة، وإن كان عن تأويل أو عن نسيان أو ذهول ففي إطلاقه تجوز وذهول، وهو الذي يمكن أن يقع من الأنبياء عليهم السلام ويؤاخذون به إذا وقع منهم.
٣٥- وقوله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين |البقرة : ٣٥|.
نهي عن القرب، وجعله كناية عن الأكل٧ لأن المعنى في الآية ولا تقرباها بأكل. وقال بعضهم : إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهي عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب. وهذا أصل جيد في سد الذرائع٨.
٢ في ن "إغواء"..
٣ أخرجه البخاري في الاعتكاف ٢٠٣٥ ومسلم في السلام ٢١٧٥ كلاهما من حديث صفية بنت حيي..
٤ قال أبو محمد بن حزم في الفصل ٤/١٤٢، ١٤٣: "وكان القاضي منذر بن سعيد يذهب إلى أن الجنة والنار مخلوقتان إلا أنه كان يقول: إنها ليست التي كان فيها آدم –عليه السلام- وامرأته واحتج في ذلك بأشياء.." ثم ساق حججه وبين خطأه فيما ذهب إليه..
٥ يراجع المحرر الوجيز ١/٢٤٢ والجامع لأحكام القرآن ١/٣١١، ٣١٢..
٦ رواه ابن جرير الطبري عنه في تفسير ١/٣١٢ ولكن سنده ضعيف..
٧ في ن "فنهى وجعل المعصية بالأكل"..
٨ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ١/٢٣٧..
أحكام القرآن
ابن الفرس