وقوله جل وعلا : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة [ البقرة : آية ٥٥ ] أي : واذكروا أيضا حين قلتم لنبي الله موسى : يا موسى لن نؤمن لك أي : لن نصدقك فيما ذكرت من أن الله كلمك به. قال بعض العلماء : هم السبعون الذين اختارهم موسى، سمعوا الله يكلم موسى فقالوا : لن نصدقك في أن هذا كلام الله حتى نرى الله جهرة. والقاعدة باستقراء القرآن أن لفظ ( الإيمان ) إذا عدي باللام معناه عدم التصديق كقوله : وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين [ يوسف : آية ٢٧ ] أي : بمصدقنا، وقوله : يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين [ التوبة : آية ٦١ ] أي : يصدق المؤمنين، فالمعنى على هذا : لن نؤمن لك لك أي : لن نصدقك فيما ذكرت من أن الله كلمك وأمرك ونهاك. وهذا – نفيهم للتصديق – غيوه بغاية يتمادى إليها هي : حتى نرى الله جهرة أي : إلى رؤيتنا الله جهرة.
وقوله : جهرة فيه وجهان من التفسير، أحدهما : أنه متعلق ب نرى والمعنى : نرى الله جهرة أي : عيانا، وانتصابه على أنه مصدر مؤكد لعامله مزيل توهم أنها رؤية منام، أو رؤية علم بالقلب، وقال بعض العلماء : هو يتعلق بقوله : قلتم أي : قلتم جهارا – من غير مواربة – هذا القول العظيم الشنيع، وعلى هذا فأظهر القولين فيها أنه مصدر منكر حال، أي قلتم هذا القول جهرة أي : في حال كونكم جاهرين بهذا الأمر العظيم.
وقوله : فأخذتكم الصاعقة الفاء سببية دلت على أن أخذ الصاعقة إياهم سببه هذا الاجتراء العظيم، وامتناعهم من تصديقهم نبيهم حتى يروا الله عيانا، كما قال جل وعلا : فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة [ النساء : آية ١٥٣ ].
والصاعقة تطلق إطلاقات : تطلق على النار المحرقة، وعلى الصوت المزعج المهلك، وأكثر إطلاقاتها عليهما معا، صوت مزعج مشتمل على نار مهلكة، وعلى كل حال فعلى أنهم السبعون المذكورون في الأعراف فقد بين أن هذه الصاعقة رجفة، كما في قوله : واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال ربي لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا الآية :[ الأعراف : آية ١٥٥ ]. على كل حال فهذه الصاعقة سواء قلنا : إنها نار محرقة، أو صوت مزعج أهلكهم، أو هما معا صوت مزعج أرجف بهم الأرض، فالتحقيق أنهم ماتوا، وأنه صعق موت، كما صرح الله بذلك في قوله : ثم بعثناكم من بعد موتكم [ البقرة : آية ٥٦ ] أنهم ماتوا، أماتهم الله عقابا لمقالتهم هذه الشنعاء، ثم أحياهم بدعاء نبيهم صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا صلى الله عليه وسلم، خلافا لمن زعم أن صعقهم هذا صعق غشية قائلا : إن الصعق قد يطلق على [ غير ] الموت، وذكروا منه قول جرير يهجو الفرزدق :
وهل كان الفرزدق غير قرد*** أصابته الصواعق فاستدار
فقوله : " أصابته الصواعق " ليس معناه أنه مات. والتحقيق أنه صعق موت ؛ لأنه لا أحد أصدق من الله، والله صرح بأنه موت في قوله : ثم بعثناكم من بعد موتكم البعث بعد الموت معناه الإحياء بعد الموت، أي : بعد أن متم. أحياهم الله جل وعلا أحياء.
وعامة المفسرين يقولون إن الزمن الذي مكثوا في هذا الموت أو الغشية – على القول الباطل عند من يزعم أنه صعق غشية لا صعق موت، مدة هذا الصعق الذي التحقيق أنه موت – يوم وليلة، كما عليه عامة المفسرين إلا من شذ.
وقوله : وأنتم تنظرون جملة حالية، وأصل هذه الجملة فيها إشكال معروف، وهو أن يقول طالب العلم : كيف ينظرون، وينظر بعضهم إلى بعض، مع إصابة الصاعقة إياهم ؟
وللعلماء عن هذا أجوبة : أظهرها أن الصاعقة أصابتهم غير دفعة، بل تصيب البعض والبعض ينظر إلى إهلاكه ؛ لأن ظاهر القرآن يجب الحمل عليه إلا بدليل جازم من كتاب وسنة، وظاهر القرآن أن هنالك نظرا لوقوع هذه الصاعقة، أن الصاعقة وقعت في حال نظرهم، وبهذا قال بعض العلماء، وهو الأظهر ؛ لأنه يتمشى مع ظاهر القرآن، ولا مانع من أن تصيب الصاعقة بعضهم والبعض الآخر ينظر إليه، ثم تصيب بعضا والبعض الآخر ينظر إليه، وكذلك قال بعض العلماء : إن الله أحياهم متفرقين في غير دفعة واحدة، يحيى بعضهم والبعض الآخر ينظر إليه كيف يحييه الله. وهذا معنى قوله : فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير