ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً... (٥٥) أي اذكروا أيها الحاضرون في عهد النبي محمد - ﷺ - ما فعلتموه، وخاطبهم هم بذلك مع أن الذي فعله أسلافهم؛ لأنهم يسيرون سيرهم، ويفترون ويغترون مثلهم.
اذكروا ذلك الوقت الذي قلتم فيه ذلك، وليس غريبا أن تقولوه الآن، قالوا لموسى: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) أي لن نؤمن مسلمين لك، مستجيبين لما تدعونا إليه، حتى نرى الله جهرة، أي حتى نرى الله تعالى رأي العين، ولن لتأكيد النفي في المستقبل، وقيل لتأبيد النفي، والزمخشري وسائر المعتزلة يرون أنها دالة على الاستحالة، أي استحالة استجابتهم حتى يروا الله عيانا، ولقد ضاهى قولهم هذا قول المشركين.
وإن الله تعالى لَا يرى في الدنيا بإجماع العلماء قط؛ لأن رؤية الدنيا تقتضي مكانا والله سبحانه وتعالى منزه عن المكان، والأمر في الآخرة أمر الله تعالى لا نعلمه إلا منه، وهو عالم الغيب والشهادة، وقد أجابهم موسى إلى ما يريدون فطلب من الله تعالى أن يراه، ويروه، كما ذكر تعالى أن ذلك لَا يمكن في سورة الأعراف، فلما تجلى ربهم أصابتهم الصاعقة، فقال تعالى: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ). وقد فصل الله سبحانه وتعالى مسألة الرؤية وطلب موسى عليه السلام، فقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣).
لما طلب بنو إسرائيل رؤية الله تعالى جهرة أي عيانا، طلب موسى ذلك من الله تعالى ليروا ما رآه، وليعلموا ما علم، وقيل إن الذين طلبوا ذلك هم السبعون الذين اختارهم موسى ليكونوا معه عندما واعده الله لميقاته الذين قال الله تعالى فيهم: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا...)، فهم الذين

صفحة رقم 236

حملوا موسى على أن يطلب رؤية ربه فطلبها عليه الصلاة والسلام، ومهما يكن الطالبون فإن رؤية الله تعالى مستحيلة في الدنيا، على ما أشرنا.
والصاعقة الأمر الشديد الهائل الذي ينزل من السماء نارا، أو الذي يدك الجبال دكا، وقد يترتب عليه أن يصعق الإحساس فيغشى على من يراه.
ومعنى قوله تعالى: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) أي أخذت ألبابهم، ونفوسهم فلم يشعروا وهم ينظرون إليها، وقد أذهلتهم وذهبت بمشاعرهم فصعقوا كما صعق موسى إذ قال تعالى: (وَخَرَّ موسَى صَقًا...).
وعلى ذلك يكون معنى أخذتهم الصاعقة أنهم غشيعليهم كما يدل على ذلك ما كان لموسى عليه السلام. ونرى أن القرآن يفسر بعضه بعضا ويبين بعضه الدلالة الواضحة لبعضه، تعالى كلام الله سبحانه وتعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا).
وقوله تعالى: (وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) أي ينظرون إلى الأمر الذي هز مشاعرهم من دك الجبال دكا، وهول ما وقع نتيجة لما طلبوا، ثم قوله تعالى:

صفحة رقم 237

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية