خيرًا يستعمل بمعنيين: أحدهما: التفضيل، وقال: فلان خير من فلان، أي أفضل، وهذا يحتاج معه إلى من.
والثاني: بمعنى الفاضل، يقال أردت خيرا، أو فعلت خيرا (١).
قال ابن عباس: أبي الله عز وجل أن يقبل توبة عبدة العجل إلا بالحال التي كره من لم يعبد العجل، وذلك أنهم كرهوا أن يقاتلوا عبدة العجل على عبادة العجل فجعل الله توبتهم أن يقتلهم هؤلاء الذين كرهوا قتالهم (٢)، والقصة فى ذلك معروفه مشهورة.
وقوله تعالى: فَتَابَ عَلَيْكُمْ في الآية اختصار، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به (٣)، فتاب عليكم (٤).
٥٥ - قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قال ابن عباس: حتى نراه علانية (٥)، وقال قتادة: عيانا (٦). وقد تكون الرؤية غير جهرة كالرؤية في النوم (٧)، وكرؤية القلب، فإذا قيل (٨): رآه
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٧٣ ب، وذكره الطبري في "تفسيره" عن السدي ١/ ٢٨٦، "تفسير الماوردي" عن جريج ١/ ٣٢٧.
(٣) في (ب): (فعلتم ذلك).
(٤) الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٧٤ أ، وانظر "تفسير الطبري" ١/ ٢٨٨، انظر "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٩٩، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٧٤، "البحر المحيط" ١/ ٢٠٩.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٨١، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٥٥، وذكره القرطبي في "تفسيره" ١/ ١٣٦، "تفسير ابن كثير" ١/ ١٧٠، والسيوطي في الدر ١/ ٧٠.
(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" ١/ ٢٨٩، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٥٦.
(٧) بياض في (ب).
(٨) في (ب) (قال).
جهرة، لم يكن إلا على رؤية العين على التحقيق دون التخييل (١).
قال أهل اللغة: معنى قوله: جهرةً أي غير مستتر عنَّا بشيء، وأصل الجهر في اللغة: الكشف والإظهار، يقال: جهرت البئر، إذا كشفت الطين عن الماء ليظهر الماء (٢)، قال:
| إِذَا وَرَدْنَا آجِنًا جَهَرْنَاه | أَو خَالِيًا مِنْ أَهْلِهِ عَمَرْنَاهْ (٣) |
والجَهَارَةُ: ظهور الجَمَال (٦) وأنكشافه ببياض اللون (٧)، قال الأعشى:
| وَسَبَتْكَ حِيَنَ تَبَسَّمتْ | بَيْنَ الأَرِيكَةِ والسِّتَارَهْ |
(٢) انظر "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢٦٧، "تهذيب اللغة" (جهر) ١/ ٦٧٦، "مقاييس اللغة" (جهر) ١/ ٤٨٧، "الصحاح" (جهر) ٢/ ٦١٨.
(٣) الرجز ذكره أبو زيد في "النوادر"، قال: أنشدتني شماء، وهي أعرابية فصيحة من بني كلاب. تقول: إنهم من كثرتهم نزفوا مياه الآبار الآجنة من كثرة المكث، وعمروا المكان الخالي. "نوادر أبي زيد" ص ٥٧٤)، والبيتان في "تهذيب اللغة" (جهر) ١/ ٦٧٦، "الصحاح" (جهر) ٢/ ٦١٨، "اللسان" (جهر) ٢/ ٧١١.
(٤) (أي) ساقط من (ب).
(٥) "تهذيب اللغة" (جهر) ١/ ٦٧٧.
(٦) في (ج): (الحال).
(٧) في (ب): (المال). انظر: "الصحاح" (جهر) ٢/ ٦١٩، "اللسان" ٢/ ٧١١.
(٨) في (ب)، (ج): (المدارة).
(٩) قوله: (الأريكة): سرير منجد مزين، و (المداد): طول القامة، والبيتان من قصيدة =
فالجهرة في هذه الآية: فعلة من الجهر، وهو مصدر يراد به المفعول (١).
وقوله تعالى: فَأَخَذَتكُمُ الصَّاعِقَةُ يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون، لأنه قال: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [البقرة: ٥٦].
وقال مقاتل: الصاعقة: الموت (٢)، ومضى الكلام في الصاعقة (٣).
قال المفسرون: إن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه (٤) من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلًا من خيارهم، وخرج بهم إلى طور سيناء، وسمعوا كلام الله، وكان موسى إذا
(١) قوله: (يراد به المفعول) لم أجده فيما اطلعت عليه-، قال القرطبي: (جهرة: مصدر في موضع الحال) "تفسير القرطبي" ١/ ٣٤٥، وانظر "فتح القدير" ١/ ١٣٧، وفي "الفتوحات الإلهية" قال: (إنه مفعول مطلق، لأن الجهرة نوع من مطلق الرؤية فيلاقي عامله في المعنى) ١/ ٥٥. والجهرة: قد تكون من صفات الرؤية، فهو مصدر من جهر أي: عيانا، ويحتمل: أن تكون من صفة الرائين، أي ذوي جهرة، أو مجاهرين بالرؤية، ويحتمل: أن تكون راجعة إلى معنى القول أو القائلين، أي قولا جهرة أو جاهرين بذلك. انظر: "البحر المحيط" ١/ ٢١٠، ٢١١.
(٢) أخرج ابن جرير عن قتادة والربيع نحوه ٢/ ٨٢، وكذا "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٣٥٦، وانظر "الدر" ١/ ٧٠. بعضهم فسر الصاعقة: بالموت، وبعضهم قال: هي سبب الموت، ثم اختلفوا فيها: هل هي نار أو صيحة أو جنود من السماء. انظر "تفسير الرازي" ٣/ ٨٦.
(٣) عند تفسير آية ١٩ من سورة البقرة.
(٤) (إليه) ساقط من (ج).
كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم (١) أن ينظر إليه، ويغشاه عمود من غمام.
فلما فرغ موسى وانكشف الغمام (٢)، قالوا له: لن نؤمن لك، أي: لن نصدقك، حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، وهي نار جاءت (٣) من السماء فأحرقتهم (٤) جميعًا. وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ يريد نظر بعضهم إلى بعض عند نزول الصاعقة (٥)، قاله (٦) ابن زيد.
وإنما أخذتهم الصاعقة؛ لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز لهم اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا (٧) عاقبهم
(٢) (الغمام) ساقط من (ب).
(٣) (جاءت) ساقط من (ب).
(٤) في (أ)، (ج): (فأحرقهم) وما في (ب) أولى للسياق، وموافق لما عند الثعلبي في "تفسيره"، والكلام أخذه ملخصا عن الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٧٤ أ، وأخرج الطبري نحوه عن محمد ابن إسحاق وعن السدي ١/ ٢٩١ - ٢٩٢. ثم قال الطبري في "تفسيره" بعد أن ذكر بعض الآثار: (فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم لموسى تقوم به حجة فيسلم له، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه..) ١/ ٨٩، وانظر: "تفسير أبي الليث" ١/ ٢٩٣، "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٠١، "تفسير ابن كثير" ١/ ٩٩.
(٥) ذكره الطبري ولم يعزه ١/ ٢٩٠، وانظر "تفسير البغوي" ١/ ٧٤، "زاد المسير" ١/ ٨٣، "تفسير القرطبي" ١/ ٣٤٥، "تفسير ابن كثير" ١/ ٩٩.
(٦) في (ب) (قال).
(٧) في (ج) (فهكذا).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي