تمهــــيد :
ذكر الله من الآيات السابقة أنواعا من النعم التي آتاها لبني إسرائيل، وفي هذه الآيات بين بلادة حسهم ومقابلتهم نعم الله عليهم بالجحود والكنود.
فقد اتخذوا العجل إلها، ثم طلبوا من موسى أن يريهم الله عيانا حتى يؤمنوا به فأخذتهم الصاعقة وهم يرون ذلك رأى العين، ثم أتبع ذلك ذكر نعمتين أخريين كفروا بهما، أولهما تظليل الغمام لهم في التيه إلى أن دخلوا الأرض المقدسة، وإنزال المن والسلوى عليهم مدة أربعين سنة.
المفردات :
الصاعقة : نار محرقة تنزل من السماء، ومن أسباب الصواعق اتحاد كهربية السحاب المختلفة النوع بموجبها أو اتحادها مع كهربية الأرض السالبة.
التفسير :
وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. يرى جمهور المفسرين أن القائلين لموسى أرنا الله جهرة هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه وقد وردت آثار في تفسير ابن جرير الطبري وابن كثير. وقيل إن الذين طلبوا من موسى رِؤية الله جهرة هم عامة بني إسرائيل بدون تحديد لهؤلاء السبعين ( ١٤٧ ).
ومعنى الآية : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم وتعنتم في الطلب فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة : لن نؤمن لك ولن نصدقك في قولك إن هذا كتاب الله حتى نرى الله عيانا لا ساتر بيننا وبينه، فيكون كالجهر في الوضوح. فأخذتكم العقوبة التي صعقتكم بسبب جهلكم وتطاولكم وأنتم تشاهدونها بعيونكم.
قال بن جرير :
الصاعقة كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت، قوله تعالى : وخر موسى صعقا ( الأعراف ١٤٣ ) لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال : سبحانك تبت إليك ( الأعراف١٤٣ ) وفي التوراة :( إن طائفة من بني إسرائيل قالوا : لماذا اختص موسى وهارون بكلام الله من دوننا، وشارع ذلك في بني إسرائيل وقالوا لموسى بعد موت هارون : إن نعمة الله على شعب إسرائيل لأجل إبراهيم وإسحاق فتعم الشعب جميعه، وأنت لست أفضل منه فلا يحق لك أن تسودنا بلا مزية، وإنا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذهم إلى خيمة العهد فانشقت الأرض وابتلعت طائفة منهم وجاءت نار من الجانب الآخر فأخذت الباقين ) ١٤٨ ). وهكذا كان بنو إسرائيل يتمردون ويعاندون وسوط العذاب يصب عليهم صبا جزاء كفرهم وعنادهم.
قال الإمام ابن جرير :
ذكرهم الله تعالى بذلك اختلاف آبائهم وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبرة ما تثلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس. وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله، ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. ( البقرة ٥٥ ) وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ( المائدة ٢٤ ). ومرة يقال لهم : وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم. ( الأعراف ١٦١ ) فيقولون حنطة في شعيرة، ويدخلون الباب من قبل أستاهم، مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم التي يكثر إحصاؤها ) ( ١٤٩ ).
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة