ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

)وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) ( البقرة : ٥٥ )
التفسير :
قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى أي : واذكروا أيضاً يا بني إسرائيل إذ قلتم... ؛ والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن إنعامه على أول الأمة إنعام على آخرها ؛ فصح توجيه الخطاب إلى المتأخرين مع أن هذه النعمة على من سبقهم..
قوله تعالى : لن نؤمن لك أي لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به..
قوله تعالى : حتى نرى الله جهرة : نرى بمعنى نبصر ؛ ولهذا لم تنصب إلا مفعولاً واحداً ؛ لأنها رؤية بصرية ؛ واختلف العلماء متى كان هذا، على قولين :.
القول الأول : أن موسى صلى الله عليه وسلم اختار من قومه سبعين رجلاً لميقات الله، وذهب بهم ؛ ولما صار يكلم الله، ويكلمه الله قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ؛ فعلى هذا القول يكون صعقهم حينما كان موسى خارجاً لميقات الله..
القول الثاني : أنه لما رجع موسى من ميقات الله، وأنزل الله عليه التوراة، وجاء بها قالوا : " ليست من الله ؛ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة "..
والسياق يؤيد الثاني ؛ لأنه تعالى قال : وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان ، ثم ذكر قصة العجل، وهذه كانت بعد مجيء موسى بالتوراة، ثم بعد ذلك ذكر : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ..
وأما قوله تعالى : فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين [ الأعراف : ١٥٥ ] فقد أيد بعضهم القول الأول بهذه الآية ؛ ولكن الحقيقة ليس فيه تأييد لهم ؛ لأنه تعالى قال : فلما أخذتهم الرجفة [ الأعراف : ١٥٥ ]. رُجِفَ بهم ؛ والأخرى : أخذتهم الصاعقة. صعقوا، وماتوا..
فالظاهر لي أن القول الأول لا يترجح بهذه الآية لاختلاف العقوبتين ؛ هذه الآية كانت العقوبة بالصاعقة ؛ وتلك كانت بالرجفة. والله أعلم..
قوله تعالى : فأخذتكم الصاعقة يعني الموت الذي صعقوا به ؛ وأنتم تنظرون أي ينظر بعضكم إلى بعض حين تتساقطون ؛ والجملة في قوله تعالى : وأنتم تنظرون حال من الكاف في قوله تعالى : فأخذتكم الصاعقة يعني : والحال أنكم تنظرون..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الفوائد :
. ١ من فوائد الآيتين : تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.
٢. ومنها : سفاهة بني إسرائيل ؛ وما أكثر ما يدل على سفاهتهم ؛ فهم يؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة .
٣. ومنها : أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة ؛ لقوله تعالى : فأخذتكم الصاعقة ؛ لأن الفاء تدل على السببية. ولا سيما في مثل حال هؤلاء الذين قالوا هذا عن تشكك ؛ وفرْق بين قول موسى عليه السلام : رب أرني أنظر إليك [ الأعراف : ١٤٣ ]، وبين قول هؤلاء : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ؛ فموسى قال ذلك شوقاً إلى الله عزّ وجلّ، وليتلذذ بالرؤية إليه ؛ أما هؤلاء فقالوه تشككاً. يعني : لسنا بمؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة ؛ ففرق بين الطلبين.
٤. ومن فوائد الآيتين : أن ألم العقوبة، ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها أشد ؛ لقوله تعالى : وأنتم تنظرون ؛ فإن الإنسان إذا رأى الناس يتساقطون في العقوبة يكون ذلك أشد وقعاً عليه.
٥. ومنها : بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث أحياهم بعد الموت ؛ لقوله تعالى : ثم بعثناكم من بعد موتكم }.
٦. ومنها : وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة ؛ لقوله تعالى : لعلكم تشكرون ؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقراراً بالقلب، واعترافاً باللسان، وعملاً بالأركان ؛ فيعترف بقلبه أنها من الله، ولا يقول : إنما أوتيته على علم عندي ؛ كذلك أيضاً يتحدث بها بلسانه اعترافاً. لا افتخاراً ؛ وكذلك أيضاً يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى بجوارحه ؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر ؛ وعليه قول الشاعر :
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا
٧. ومن فوائد الآيتين : إثبات الحكمة لله تعالى : لقوله : لعلكم تشكرون ؛ فإن " لعل " هنا للتعليل المفيد للحكمة..


تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير