ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

وقوله جل وعلا : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا [ البقرة : آية ٥٨ ] أي : واذكر وإذ قلنا أي : حين قلنا. وصيغة الجمع للتعظيم. ادخلوا هذه القرية الصواب الذي عليه أكثر المفسرين أن هذه القرية هي ( بيت المقدس ). وقال جماعة من العلماء :( هي أريحا ). وعن الضحاك أنها ( الرملة )، و( فلسطين )، و( تدمر ) ونحو ذلك.
والتحقيق الذي عليه جمهور المفسرين أنها ( بيت المقدس )، ويدل عليه قوله في المائدة : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم [ المائدة : آية ٢١ ] هذه القرية. ولما زال عنهم التيه، ومات موسى وهارون، وكان الخليفة بعدها يوشع بن نون، وجاؤوا وجاهدوهم الجهاد المعروف في التاريخ، الذي رد الله فيه الشمس ليوشع بن نون، وفتحوا البلد، أمرهم الله ( جل وعلا ) أن يشكروا هذه النعمة بقول يقولونه، وفعل يفعلونه، فبدلوا القول الذي قيل لهم بقول غيره، وبدلوا – أيضا – الفعل الذي قيل لهم بفعل غيره، وتقرير المعنى : وإذ قلنا ادخلوا القرية فكلوا منها حيث شئتم فكلوا من هذه القرية حيث شئتم. ( حيث ) كلمة تدل على المكان كما تدل ( حين ) على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط، وهي تعم، أي : في أي مكان من أمكنة هذه القرية شئتم.
وقوله : رغدا نعت لمصدر محذوف أي :( أكلا رغدا ) أي : واسعا لذيذا لا عناء فيه ولا تعب. وهذا الذي أبيح لهم هنا الذي يظهر أنه يدخل فيه ما طلبوه – أي : طلبوا نبيهم موسى أن يدعوا الله لهم أن يطيعهم إياه – الآتي في قوله : لن نصبر على طعام واحد فادعوا لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها [ البقرة : آية ٦١ ] الظاهر أن الله لما قال لهم : اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم [ البقرة : الآية ٦١ ] وفتح عليهم هذه القرية قال لهم : ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا [ البقرة : الآية ٥٨ ] وأنه يدخل في ذلك ما طلبوه أيام التيه من البقول والفوم والعدس والبصل وما ذكر معها.
ثم إن الله ( جل وعلا ) أمرهم بفعل وقول شكرا لنعمة الفتح، وهو قوله : ادخلوا الباب سجدا أي : ادخلوه في حال كونكم سجدا. والسجد جمع ساجد، و ( الفاعل ) إذا كان وصفا من جموع تكسيره المعروفة – جموع الكثرة – أن يجمع على ( فعل )، كساجد وسجد، وراكع وركع.
قال بعض العلماء : هو سجود ركوع وانحناء تواضعا لله، وشكرا على نعمة الفتح. وقد يفهم من هذا أن نعمة الفتح ينبغي أن تشكر بالسجود لله ( جل وعلا ). ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة صلى الضحى ثمان ركعات. وكان العلماء يرون أنها صلاة شكر على ما أنعم الله عليه به من الفتح، والله ( تعالى ) أعلم. وهذا معنى قوله : ادخلوا الباب الباب : واحد الأبواب، وألفه الكائنة في موضع العين مبدلة من واو، بديل تصغيره على ( بويب )، وجمعه على ( أبواب ).
و سجدا حال من الواو في ادخلوا ، أي : حال كونكم سجدا لله على نعمة الفتح. وقال بعض العلماء : هو سجود انحناء وتواضع. ومنهم من شذ فزعم أنه مطلق التواضع لله. والسجود وإن كان في لغة العرب قد يطلق على مطلق التواضع فليس هو المراد في الآية.
وقوله : وقولوا حطة هذا القول الذي قيل لهم أيضا. و حطة ( فعلة ) من ( الحط )، و ( الحط ) معناه الوضع، وهو خبر مبتدأ محذوف، ومتعلقها محذوف. وتقرير المعنى بإيضاح :( وقولوا مسألتنا لربنا حطة ) أي : غفران لذنوبنا وحط، أي : وضع لأوزارنا عن ظهورنا، فهو لفظ عربي فصيح. هذا هو القول الذي قيل لهم، أمرهم الله أن يدخلوا سجودا متواضعين، وأن يقولوا قولا هو استغفار وطلب لحط الذنوب. وهذا معنى قوله : وقولوا حطة .
وقوله : نغفر لكم خطاياكم فيه ثلاث قراءات سبعيات : قرأه نافع المدني : يغفر لكم خطاياكم بالياء المضمومة وفتح ( الفاء ) مبنيا للمفعول. وإنما جاز تذكيره والإتيان بالياء لأن تأنيث الخطايا غير حقيقي ؛ ولأنه فصل بينه وبين الفعل فاصل، وهو ( لكم )، والفصل يبيح ترك ( التاء ) كما تقدم. وقرأه الشامي ابن عامر : تغفر لكم خطاياكم بضم ( التاء ) وفتح ( الفاء ) مبنيا للمفعول. خطاياكم نائب الفاعل في كلتا القراءتين. وقرأه غيرهما من القراء : نغفر لكم خطاياكم خطاياكم في محل نصب على المفعول به، و نغفر بكسر ( الفاء ) مبنيا للفاعل. وقراءة الجمهور أشد انسجاما بالسياق ؛ لأن الله قال قبلها : قلنا ، وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وقال بعدها : وسنزيد المحسنين بصيغة التعظيم، فقراءة الجمهور أشد انسجاما وملاءمة مع السياق من قراءة نافع وقراءة ابن عامر.
و ( الخطايا ) : جمع الخطيئة، والخطيئة : الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه التنكيل، أي : نغفر لكم ذنوبكم العظيمة.
ثم قال ( جل وعلا ) : وسنزيد المحسنين للعلماء في تفسير المحسنين هنا أقوال، والحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن لا يعدل في تفسيرها عن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله لما سأله جبريل عن الإحسان : " هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". يعني : الذين كانوا أشد مراقبة لله في أعمالهم سيزيدهم الله إيمانا ؛ لأن الإنسان كلما ازداد تقواه لله ( جل وعلا ) زاده الله، كما قال تعالى : والذين اهتدوا زادهم هدى [ محمد : آية ١٧ ] معناه : وسنزيد المحسنين منكم، أي : الذين هم أشد مراقبة لله سنزيدهم من الخير والإيمان. وقال بعض العلماء : سنزيد في جزاء أعمال المحسنين ؛ لأن العمل الذي يراقب صاحبه الله قد يكون ثوابه أكثر ممن هو منه مراقبة.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير