ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

وقال جماعة من المفسرين: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ أي: كلوا من الوجه الذي أمرتم وأحل لكم، وذلك أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: وَمَا ظَلَمُوَنا أي: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي (١). وقيل: معناه: وما ضرّونا ولم يَعُد ضرر ظلمهم (٢) إلينا وإنما عاد إليهم. وابن عباس في رواية عطاء جعل قوله تعالى: [وَمَا ظَلَمُوَنا إخبارا عن الموجودين في زمن النبي - ﷺ -، لأنه قال:] (٣) وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يريد حيث كذبوا نبيي وكفروا نعمتي، وخالفوا ما أنزلت في التوراة والإنجيل، ونقضوا عهدي (٤).
٥٨ - وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ الآية. قال الليث: هي القَرْيَةُ، والقِرْيَة لغتان (٥)، المكسورة يمانية، ومن ثم اجتمعوا في جمعها على القُرَى، فحملوها على لغة من يقول: كسْوه وكُسَى (٦).
وقال غيره (٧): القَرْية بالفتح لا غير، وكسرها خطأ، وجمعها قُرَى

(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٧٥ أ، وانظر "تفسير أبي الليث" ١/ ٣٦٠، و"البغوي " ١/ ٧٥، "البحر المحيط" ١/ ٢١٥، و"الخازن" ١/ ١٢٩.
(٢) في (ج): (طالمهم).
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤) لم أجده عن ابن عباس فيما اطلعت عليه، والله أعلم.
(٥) (لغتان) ساقط من (ب).
(٦) "تهذيب اللغة" (قرا) ٣/ ٣٩١١، وانظر "جمهرة أمثال العرب" ٢/ ٤١١، "اللسان" ٦/ ٣٦١٧.
(٧) في (ب): (عكرمة).

صفحة رقم 551

جاءت نادرة (١).
ابن السكيت: ما كان من جمع فَعْلَة من الياء والواو على فِعَال كان ممدودًا مثل رَكوةَ ورِكَاء وشَكْوَة وشِكَاء، ولم يسمع في شيء من هذا القصر إلا كَوَّة وكُوًى وقَرْيَة وقُرى جاءتا على غير قياس (٢).
وقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه (٣)، ويقال لبيت النمل: قرية، لأنه يجمع النمل (٤). قال:

كَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا يُلَبِّدُهَا (٥) فِي لَيْلِ سَارِيَةٍ قَطْرُ (٦)
فالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع (٧) القوى.
قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما خرجوا من التيه، قال الله (٨) لهم ادخلوا هذه القرية (٩).
(١) انظر "تهذيب اللغة" (قرا) ٣/ ٣٩١١، "اللسان" ٦/ ٣٦١٧.
(٢) قال الأزهري: أخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت ثم ذكره، "تهذيب اللغة" (قرا) ٣/ ٣٩١١، وانظر "اللسان" (قرأ) ٦/ ٣٦١٧.
(٣) انظر "الزاهر" ٢/ ١٠٧، "جمهرة أمثال العرب" ٢/ ٤١١، "تهذيب اللغة" (قرأ) ٣/ ٣٩١١، "مقاييس اللغة" (قرى) ٥/ ٧٨، "المحكم" ٦/ ٣٠٧.
(٤) قال ابن سيده: قرية النمل: ما تجمعه من التراب، "المحكم" ٦/ ٣٠٧، وانظر "اللسان" (قرأ) ٦/ ٣٦١٧. والبيت الذي ذكره يؤيد قول ابن سيده.
(٥) في (ج): (يلرها).
(٦) لم أعثر عليه، ولم أعرف قائله.
(٧) في (ب): (مجتمع)، وفي (ج) (يجمع).
(٨) في (ج): (قالهم الله).
(٩) انظر "تفسير أبي الليث" ١/ ٣٦١، "تفسير الثعلبي" ١/ ٧٥ب، "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٠٦، "زاد المسير" ١/ ٨٤، "تفسير ابن كثير" ١/ ١٠٤.

صفحة رقم 552

قال ابن عباس: هي أريحا (١). وقال ابن كيسان: هي الشام (٢). وقال قتادة والسدي والربيع: هي بيت المقدس (٣).
وقوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ هي فِعْلَةٌ من الحَطّ، وضع الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال: حط الحمل عن الدابة، والسيل يحط الحجر عن الجبل (٤)، قال (٥):
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ (٦) السَّيْلُ مِنْ عَلِ (٧)

(١) ذكره الطبري عن ابن زيد ١/ ٢٩٩، وأبو الليث عن الكلبي ١/ ٣٦٠، قال ابن كثير بعد أن ذكره عن ابن عباس وابن زيد: (وهذا بعيد، لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس)، ١/ ١٧٧.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٧٥ أ، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٧٦.
(٣) ذكره الطبري في "تفسيره" عنهم ١/ ٢٩٩ وابن أبي حاتم في "تفسيره"١/ ٣٦٨، وذكره الثعلبي في "تفسيره" عن مجاهد ١/ ٧٥ ب. قال ابن عطية: هي بيت المقدس، في قول الجمهور ١/ ٣٠٦، وانظر "زاد المسير" ١/ ٨٤، "تفسير القرطبي" ١/ ٣٤٩، "البحر المحيط" ١/ ٢٢٠، "تفسير ابن كثير" ١/ ١٠٤.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٣٠٠، "تهذيب اللغة" (حط) ١/ ٨٥٣، "مقاييس اللغة" ٢/ ١٣، "مفردات الراغب" ص ١٢٢، "اللسان" (حطط) ٢/ ٩١٤.
(٥) هو امرؤ القيس.
(٦) (حطه) ساقط من (ب).
(٧) صدره:
مكرٍّ مفرٍّ مقبل مدبر معًا.
يصف الفرس يقول: إذا أردت الكر والفر على العدو فهو كذلك، والمقبل: هو المكر، والمدبر: هو المفر، ثم وصف سرعته وصلابته بالجلمود الساقط من علو، والبيت من الشواهد العربية والنحوية ورد في "الكتاب" ٤/ ٢٢٧، وشرح أبياته للسيرافي ٢/ ٣٣٩، "تهذيب اللغة" (حط) ١/ ٨٥٣، "المخصص" ١٣/ ٢٠٢، =

صفحة رقم 553

ويقال في الدعاء: حط الله عنك وزرك، أي وضعه عنك، فالحِطّة من الحَطّ مثل الرِّدّة من الرَّدّ، يجوز أن يكون اسمًا، ويجوز أن يكون مصدرًا (١).
قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ أي مغفرة، فقالوا: حنطة (٢).
وقال مقاتل: إنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول الأرض التي فيها الجبارون، فأراد الله أن يغفرها لهم، فقيل لهم. قولوا حطة.
قال أبو إسحاقا معناه: قولوا: مسألتنا حطة، أي: حط ذنوبنا عنا،

= "اللسان" (حطط) ٧/ ٩١٤. (علا) ١٥/ ٨٤، "شرح المفصل" ٤/ ٨٩، "شرح شذور الذهب" ص ١٠٧، "مغني اللبيب" ١/ ١٥٥، و"الهمع" ٣/ ١٩٦، "الخزانة" ٢/ ٣٩٧، ٣/ ١٥٨، ٢٤٢، ٦/ ٥٠٦، "ديوان امرئ القيس" ص ١١.
(١) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٣٠٠، "تهذيب اللغة" (حط) ١/ ٨٥٣، "اللسان" (حطط) ٢/ ٩١٤. قال أبو عبيدة: هي مصدر من حط عنا ذنوبنا. "المجاز" ١/ ٤١، وعلى حاشية (أ) إضافة من الكتاب، صدرها بـ (ش ك)، أي شرح من الكاتب وأذكرها للفائدة (حطة: فِعْلة من الحط، كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة، أو أمرك حطة، والأصل: النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات كقوله: صبر جميل فكلانا مبتلى. والأصل: صبرًا علي، أصبر صبرًا، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل، وقيل معناه: أمرنا حطة، أي: أن نحط في هذه القرية ونستقيم فيها، وهل يجوز أن ينصب (حطة في قراءة من نصبها بقولوا، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟ فالجواب. لا يبعده والأجود أن ينصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر بقولوا وقُرئ (يُغفر لكم خطاياكم) على البناء للمفعول بالياء والتاء) وهو منقول بنصه من "الكشاف" ١/ ٢٨٣.
(٢) أخرجه الطبري ١/ ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٤، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٧٢، والحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي ٢/ ٢٦٢، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١٧٨، "تفسير القرطبي" ١/ ٣٥٠، "تفسير ابن كثير" ١/ ١٠٥، والرواية بنصها في "تهذيب اللغة" (حط) ١/ ٨٥٣.

صفحة رقم 554

والقراءة بالرفع على هذا التأويل. قال: ولو قرئت حطة (١) كان وجهًا في العربية، كأنه قيل لهم: قولوا (٢): احطط عنا ذنوبنا حطة (٣).
وقال الليث: بلغنا أن بني إسرائيل حيث قيل لهم: وقولوا حطة، إنما قيل لهم ذلك حتى يستحِطّوا بها أوزارهم فَتُحَطَّ عنهم (٤).
وقال عكرمة: وقولوا حطة، أي: كلمة يحط (٥) بها عنكم خطاياكم، وهي: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب (٦).
قال الفراء: فإن يك كذلك فينبغي أن يكون حطة منصوبة (٧) في القراءة، لأنك (٨) تقول: قلت: لا إله إلا الله، فيقول السامع: قلت كلمة صالحة، وإنما يكون الرفع والحكاية إذا صلح قبلها إضمار، فإذا لم يصلح

(١) قراءة النصب شاذة، وهي قراءة ابن أبي عبلة. انظر "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٠٧، "الكشاف" ١/ ٢٨٣، "البحر المحيط" ١/ ٢٢٢.
(٢) (قولوا) ساقط من (ب).
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١١٠، وانظر "تهذيب اللغة" (حط) ١/ ٨٥٣.
(٤) "تهذيب اللغة" (حط) ١/ ٨٥٣.
(٥) في (ب): (تحط).
(٦) أخرج الطبري في "تفسيره" لسنده عن عكرمة: قال قولوا: (لا إله إلا الله) ١/ ٣٠١، ٣٠٠، ونحوه في "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٣٨٢، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد والطبري في "تفسيره" وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٢٨٥.
(٧) نص كلام الفراء: قال: (وبلغني أن ابن عباس قال: أمروا أن يقولوا: نستغفر الله، فإن يك كذلك فينبغي أن تكون (حطة) منصوبة...) "المعاني" ١/ ٣٨. قال الطبري في "تفسيره": (وأما على تأويل قول عكرمة فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في (حطة)...) ثم قال: (وفي إجماع القراءة على رفع (الحطة) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: (وقولوا حطة)...) ٢/ ١٠٨.
(٨) (لأنك) ساقط من (ب).

صفحة رقم 555

كان منصوبًا، كما تقول (١): قلت كلاما حسنا (٢). وقوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ [الكهف: ٢٢] هو رفع، لأن قبله ضمير أسمائهم، المعنى: هم ثلاثة، وقوله: وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ [النساء: ١٧١] أي: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة (٣).
وقال ابن الأنباري: إذا جاء بعد القول حرف مفرد يجوز أن يكون نعتا للقول نصبت كقولك: قلت حقا؛ لأنه يحسن أن يقال: قلت قولا حقا، وكذلك: قلت صوابًا وقلت خطأ، وإذا جاء حرف مفرد لا يجوز أن يكون نعتًا للقول رفعت، كقوله: سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ معناه: سيقولون هم ثلاثة، ولا وجه للنصب (٤).
وقوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ (٥) فحوى الكلام، وإجماع القراء على رفعها، دليل على أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها (٦). فإن كانوا لم يؤمروا بهذه اللفظة

(١) في (أ)، (ج) (يقول) وما في (ب). موافق لما في معاني القرآن ١/ ٣٨، وهو الأنسب للسياق.
(٢) في المعاني: (وإنما تكون الحكاية إذا صلح قبلها إضمار ما يرفع أو يخفض أو ينصب، فإذا ضممت ذلك كله فجعلته كلمة، كان منصوباً بالقول كقولك: مررت بزيد، ثم تجعل هذا كلمة، فتقول: قلت كلامًا حسنًا...) ١/ ٣٨.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣٩.
(٤) انظر "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣٨، "تفسير الطبري" ١/ ٣٠١.
(٥) في (ب) (وقولوا).
(٦) ذكر الطبري في الوجه الذي رفعت من أجله (حطة) عدة أقوال: فقيل: رفعت على معنى: (قولوا) ليكن منك حطة لذنوبنا. وقيل: هي كلمة مرفوعة أمروا بقولها كذلك، وهذان القولان لنحويي البصرة. وقيل: رفعت بتقدير: هذه حطة. وقيل: رفعت بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة فتكون حطة خبر (ما) ونسب هذين القولين لنحويي الكوفة. الطبري في "تفسيره" ١/ ٣٠٠، وانظر "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ٤١، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١٧٨، و"تفسير الغريب" لابن قتيبة ص ٥٠، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٤٨.

صفحة رقم 556

بعينها فنصبها جائز على معنى: قولوا قولًا حاطًّا لذنوبكم. ويجوز نصبها أيضًا وإن كانوا قد أمروا بها على معنى: وقولوا: احطط عنا يا ربنا ذنوبنا حطة (١)، كقراءة من قرأ قَالُوا مَعْذِرَةً (٢) [الأعراف: ١٦٤] بالنصب. وإذا جاء بعد القول جملة من الكلام، لم يكن للقول فيها عمل، كقولك: قلت: عبد الله عالم، فهو عامل (٣) في موضع الجملة؛ لأنها مجعولة في موضع الكلام، ولو قلت: قلت (٤) كلاما، نصبت. وسنذكر بيانا لهذا زائدا عند قوله: قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: ٢١٩] إن شاء الله. والأصح والذي عليه الجمهور: أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وقد روي لنا عن الأزهري (٥)، عن المنذري عن ابن فهم (٦)، عن محمد بن سلام (٧)، عن يونس قال:

(١) انظر "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣٨، والأخفش ١/ ٢٦٩، والزجاج ١/ ١١٠.
(٢) قراءة حفص عن عاصم بالنصب وبقية السبعة بالرفع، انظر "السبعة" لابن مجاهد ص ٢٩٦، و"التيسير" ص ١٤٤.
(٣) في (ب): (عالم).
(٤) (قلت) ساقط من (ب).
(٥) في (ب): (الزهري).
(٦) هو الحافظ العلامة، أبو علي الحسين بن محمد بن فهم بن محرز البغدادي، روى عن محمد بن سلام وغيره، قال الدارقطني: ليس بالقوي، وفاته سنة تسع وثمانين ومائتين. انظر "تاريخ بغداد" ٨/ ٩٢، "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٤٢٧، و"تذكرة الحفاظ" ٢/ ٦٨٠.
(٧) هو محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم، أبو عبد الله الجمحي، البصري، مولى قدامة بن مظعون، كان من أهل اللغة والأدب، روى عنه الجم الغفير، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. انظر "طبقات اللغويين والنحويين" ص ١٨٠، "تاريخ بغداد" ٥/ ٣٢٧، "إنباه الرواة" ٣/ ١٤٣.

صفحة رقم 557

قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ (١) هذه حكاية، هكذا أمروا (٢).
وقوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبَابَ (٣) يعني بابًا من أبوابها (٤). سُجَّدًا: قال ابن عباس: ركعا (٥)، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين (٦).
قال مجاهد: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب؛ ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا، ودخلوا متزحفين على استاههم (٧).
قال الحسين بن الفضل: لو لم يسجدوا لذكر الله ذلك منهم وذمهم به

(١) (الواو) ساقطة من (ب).
(٢) "تهذيب اللغة" (حط) ١/ ٨٥٣، وذكره الأخفش عن يونس في "معاني القرآن" ١/ ٢٧٠، ونحوه عند أبي عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ٤١، وذكر هذا القول الطبري في "تفسيره" ١/ ٣٠١، وانظر: "تفسير أبي الليث" ١/ ٣٦٢.
(٣) في (ب): (سجدا).
(٤) أي: أبواب القرية. انظر الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٧٥ ب.
(٥) أخرجه الطبري ١/ ٣٠٠، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٧٠، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. "المستدرك" ٢/ ٢٦٢، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير، والحاكم وابن أبي حاتم ووكيع والفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر. "الدر" ١/ ١٣٨.
(٦) انظر الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٧٥ ب، انظر "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٠٧.
(٧) في (ب): (أستاتهم). أخرجه الطبري في "تفسيره" ١/ ٣٠٠، ٣٢٥، وانظر "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٣٧٥، "تفسير الثعلبي" ١/ ٧٥ ب، "الدر المنثور" ١/ ١٣٨. وقد ورد عن ابن عباس نحوه في روايات كثيرة، انظر "تفسير الطبري" ١/ ٣٠٤. كما ورد بهذا المعنى حديث مرفوع عن أبي هريرة، أخرجه البخاري، انظر: "الفتح" ٨/ ١٦٤، و"تفسير الطبري" ١/ ١٣٨.

صفحة رقم 558

كما ذمهم بتبديل الكلمة لما قالوا خلاف ما أمروا به (١). والله أعلم.
وقوله تعالى: نَغْفِرْ (٢) لَكُمْ خَطَايَاكُمْ أصل الغفر: الستر والتغطية، وغفر الله ذنوبه، أي: سترها، كل شيء سترته قد غفرته. والمغفر يكون تحت بيضة الحديد يغفر الرأس (٣). قال ابن شميل: هي حلق تجعل أسفل البيضة تسبغ على العنق فتقيه، وربما جعل من ديباج وخز أسفل البيضة.
الأصمعي: غفر الرجل متاعه يغفر غفرًا: إذا أوعاه. ويقال: اصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ أي: أغطى له (٤). والغفارة: خرقة تستر رأس المرأة تقي بها الخمار من الدهن (٥)، وكل ثوب يغطى به شيء فهو غفارة، ومنه غفارة البزيون (٦) يغشى بها الرحال (٧).

(١) قول الحسين لم أجده فيما اطلعت عليه، والله أعلم. والحديث الصحيح، والآثار ترد قوله، ففي البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قيل: لبني إسرائيل: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) فدخلوا يزحفون على استاههم، فبدلوا"، وقالوا: حطة حبة في شعرة. "الفتح" ٨/ ١٦٤، وكذا الآثار عن ابن عباس ومجاهد في هذا المعنى كلها ترد قول الحسين بن الفضل. انظر "تفسير الطبري" ١/ ٣٠١.
(٢) بالياء على قراءة نافع، انظر: "السبعة" ص ١٥٧.
(٣) "تهذيب اللغة" (غفر) ٣/ ٢٦٧٩، وانظر: "تفسير الطبري" ١/ ٣٠٢، "الزاهر" ١/ ١٩٢، "الصحاح" (غفر) ٢/ ٧٧٠، "مقاييس اللغة" (غفر) ٤/ ٣٨٥، "اللسان" (غفر) ٦/ ٣٢٧٢.
(٤) كلام ابن شميل والأصمعي ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (غفر) ٣/ ٢٦٧٩، وانظر: "الزاهر" ١/ ١٠٩.
(٥) ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن أبي الوليد الكلابي "تهذيب اللغة" (غفر) ٣/ ٢٦٧٩.
(٦) (البزيون) كذا ورد في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٦٧٩، وفي "اللسان" (الزنون) ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨، وقال في "الصحاح" (البزيون) بالضم السندس (بزن) ٥/ ٢٠٧٨، وأورد صاحب اللسان ١/ ٢٧٨ كلام الجوهري ثم قال: وقال ابن بري: هو رقيق الديباج.
(٧) في (ب): (الرجال). والكلام ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن الأموي. "تهذيب اللغة" (غفر) ٣/ ٢٦٧٩، وانظر: "اللسان" (غفر) ٦/ ٣٢٧٤.

صفحة رقم 559

وأجمع القراء على إظهار الراء عند اللام، إلا ما روى عن أبي عمرو من إدغامه الراء عند اللام (١). قال الزجاج: وهوخطأ فاحش، وأحسب الذين رووا (٢) عن أبي عمرو غالطين (٣)، ولا يدغم الراء في اللام إذا قلت: مر لي بشيء؛ لأن الراء حرف مكرر، ولا يدغم الزائد في الناقص (٤) للإخلال به، فأما اللام فيجوز إدغامه في الراء، ولو أدغمت الراء في اللام لذهب التكرير من الراء وهذا إجماع النحويين (٥).
وقال أبو الفتح الموصلي: الراء لما فيها من التكرير لا يجوز إدغامها فيما يليها من الحروف؛ لأن إدغامها في غيرها يسلبها ما فيها من التكرير.

(١) نقل بعضهم عن أبي عمرو إدغام الراء بدون اختلاف، بعضهم نقل عنه باختلاف. انظر "السبعة" ص ١٢١، "التيسير" ص ٤٤، "الكشف" ١/ ١٥٧، "النشر" ٢/ ١٢.
(٢) في (ب): (رووا ذلك) والزيادة ليست في المعاني للزجاج ١/ ٤٠٠.
(٣) وعلى نهجه سار الزمخشري في تفسير قوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ قال: (فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟ قلت: يظهر الراء؛ ويدغم الباء، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأً فاحشًا، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرتين؛ لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو) "الكشاف" ١/ ٤٠٧، وانطر: "البيان" ١/ ٨٣، ومذهب سيبويه وأصحابه: أنه لا يجوز إدغام الراء في اللام كما في "الكتاب" ٤/ ٤٤٨، "الكشف" ١/ ١٥٧. لكن هذا لا يلزم منه رد قراءة سبعية، وهي مسألة خلافية، فقد ذكر أبو حيان في "البحر" أن الكسائي والفراء أجازا ذلك وحكياه سماعًا، وقد تصدى أبو حيان للرد على الزمخشري وأجاد في ذلك، انظر: "البحر المحيط" ٢/ ٣٦١، ٣٦٢، وانظر تعليق عضيمة على "المقتضب"١/ ٣٤٧.
(٤) قوله: (ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به) ليس في "المعاني" ١/ ٤٠٠.
(٥) انظر كلام الزجاج في "المعاني" ١/ ٤٠٠. عند تفسير قوله تعالى: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.

صفحة رقم 560

وأما قراءة أبي عمرو نَغْفِرْ لَكُمْ (١) بإدغام الراء في اللام فمدفوع عندنا [وغير معروف عند أصحابنا، وإنما هو شيء رواه القراء، ولا قوة له في القياس (٢).
والخطايا: جمع خطيئة (٣)] (٤) وهي (٥) الذنب على عمد قال أبو الهيثم: يقال: خطئ: ما صنعه عمدا، وهو الذنب، وأخطأ: ما صنعه خطأ غير عمد (٦). ويأتي بيان هذا مشروحًا عند قوله: وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ (٧). قال الزجاج: الأصل في خطايا كان خطايؤ (٨) مثل خطائع، لأنها جمع خطيئة، فأبدل من هذه الياء همزة؛ فصارت

(١) البقرة: ٥٨، الأعراف: ١٦١، وفي "سر صناعة الإعراب": يَغْفِرْ لَكُمْ بدون واو، جزء من آية في الأحقاف: ٣١، الصف: ١٢، ونوح: ٤.
(٢) "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني ١/ ١٩٣، والرواية إذا ثبتت فهي أقوى من القياس، وانظر التعليق السابق على كلام الزجاج.
(٣) ذهب بعض الكوفيين إلى أنه: جمع (خطية) دون همز، واختاره الطبري ١/ ٣٠٢، وانظر "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٠٨، "تفسير القرطبي" ١/ ٣٥٣، ٣٥٤.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٥) في (ب): (وهو).
(٦) نص الكلام في "التهذيب" (خطئت) لما صنعه عمدا وهو الذنب، (أخطأت) لما صنعه خطأ غير عمد. "تهذيب اللغة" (خطئ) ١/ ١٠٦١، وانظر "اللسان" (خطأ) ١/ ١٠٦١.
(٧) البقرة: ٨١، وهناك بيَّن الواحدي الفرق بين (أخطأ) و (خطئ).
(٨) كذا وردت في (أ)، (ج) وفي (ب): (كل خطاييا) وهو خطأ، وفي "معاني القرآن" للزجاج رسمت (خطائِى) وكلامه يدل على أن المراد خطائئ، فلم يذكر أصل الكلمة خَطَايئ كما في "تهذيب اللغة"، انظر "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١١١، "تهذيب اللغة" (خطئ) ١/ ١٠٦٠ - ١٠٦١.

صفحة رقم 561

[خطائئ] (١) مثل خطاعع.
قلت: وإنما أبدلت هذه (٢) الياء همزة، لأن هذه الياء إذا وقعت في الجمع صارت همزة، مثل: ترائب وسحائب، وعلة ذلك نذكرها في قراءة من قرأ: معائش (٣) بالهمزة (٤). رجعنا إلى كلام الزجاج: فاجتمعت همزتان، فقلبت الثانية ياء فصار خَطَائِي مثل خَطَاعِي ثم قلبت الياء والكسرة إلى الفتحة والألف، فصار خَطاءَا، مثل خَطاعا (٥) فأبدلت الهمزة ياء، لوقوعها بين ألفين، وإنما أبدلت الهمزة حين وقعت بين ألفين؛ لأن الهمزة مجانسة للألفات، فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، فأبدلت الهمزة ياء فصارت خَطايَا (٦).

(١) في (أ)، (ج): (خطايو) وفي (ب): (خطاي) وما أثبت هو المثبت في "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٦٠ - ١٠٦١، وقريب مما في (ب)، وفي "اللسان" (خطائي). "اللسان" (خطأ) ٢/ ١١٩٣.
(٢) في (ج): (همزة).
(٣) الأعراف: ١٠، والحجر: ٢٠.
(٤) الجمهور على القراءة بالياء، وقرأ الأعرج وزيد بن علي والأعمش وخارجة عن نافع، وابن عامر في رواية بالهمز، والقياس القراءة بدون همز، لأن الياء التي في المفرد إذا كانت أصلا فلا تهمز مثل معايش وإذا كانت زائدة همزت مثل: صحيفة وصحائف، قال أبو حيان: لكن رواه ثقات فوجب قبوله. انظر "البحر المحيط" ٤/ ٢٧١، وانظر هذه المسألة في "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣٧٣، والزجاج ٢/ ٣٥٣، "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٠٩.
(٥) في "تهذيب اللغة" (خطاءى) مثل (خطئ) ١/ ١٠٦١، والمثبت هنا مثل ما في "معاني القرآن" ١/ ١١١، وكذا في "اللسان" ١/ ١١٩٣.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١١١، والنص من "لتهذيب" (خطئ) ١/ ١٠٦١، "اللسان" (خطأ) ٢/ ١١٩٣، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١٧٩، انظر "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٠٩، و"البيان" ١/ ٨٤ والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٣٥٣.

صفحة رقم 562

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية