وسماه طيبات.
ويحتمل أَنه سماه طيبات؛ لما لا يشوبه داء يؤذيهم، ولا أَذى يضرهم، ليس كطعام الدنيا مما لا يسلم عن ذلك، واللَّه أعلم.
وفد قيل: الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع، وتتلذذ به النفس.
وقوله: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ...) الآية.
وقد ذكرنا معنى الظلم فيما تقدم.
وقد يحتمل وجها آخر: وهو النقصان؛ كقوله: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)، أي: لم تنقص منه.
وحاصل ما ذكرنا: أَن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وكل ما ذكرنا يرجع إلى واحد.
وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ (٥٨)
اختلف في تلك القرية:
قيل: إنها بيت المقدس، كقوله: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ).
أمروا بالدخول فيها، والمقام هنالك؛ لسعة عيشهم فيها ورزقهم؛ إذ هو الموصوف بالسعة والخصب.
وقيل: إن تلك القرية التي أُمروا بالدخول، والمقام هنالك، هي قرية على انقضاء التيه، والخروج منها.
غير أن ليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة، وإنما الحاجة إلى تعرف الخلاف الذي كان منهم، وما يلحقهم بترك الطاعة لله والائتمار، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا).
والرغد قد ذكرنا فيما تقدم: أَنه سعة العيش، وكثرة المال.
وقوله: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا).
يحتمل المراد من الباب: حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أُمروا بالدخول فيها.
ويحتمل المراد من الباب: القرية نفسها، لا حقيقة الباب؛ كقوله: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) ذكر القرية ولم يذكر الباب، وذلك في اللغة سائغ، جائز؛ يقال: فلان دخل
في باب كذا، لا يعنون حقيقة الباب، ولكن. كونه في أَمر هو فيه.
وقوله: (سُجَّدًا).
يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود؛ فيخرج على وجوه:
يخرج على التحية لذلك المكان.
ويخرج على الشكر له؛ لما أَهلك أَعداءَهم الذين كانوا فيها، لقولهم: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ).
ويحتمل: حقيقة السجود؛ لما رُويَ عن أَبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " إن بني إسرائيل أُمروا بالدخول سُجَّدًا فدخلوا منحرفين " فما أَصابهم إنما أَصاب بخلافهم أَمر الله.
ويحتمل: الكناية عن الصلاة؛ إذ العرب قد تسمى السجود صلاة؛ كأنهم أُمروا بالصلاة بها.
ويحتمل الأمر بالسجود: لا حقيقة السجود والصلاة، ولكن: أَمر بالخضوع له والطاعة، والشكر على أَياديه التي أَسدى إليهم وأَنزل: من سعة التعيش، والتصرف فيها في كل حال، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ).
قيل بوجهين:
قيل: الحطةُ: هو قول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، سميت حطة؛ لأَنها تحط كل خطيئة كانت من الشرك وغيره؛ فكأنهم أمروا بالإيمان والإسلام.
وقيل: (وَقُولُوا حِطَّةٌ): أَي اطلبوا المغفرة والتجاوز عما ارتكبوه من المآثم والخطايا، والندامة على ما كان منهم؛ فكأنهم أمروا أَن يأْتوا بالسبب الذي به يغفر الذنوب، وهو الاستغفار، والتوبة، والندامة على ذلك، واللَّه أعلم.
وذلك يحتمل الشِّرك، والكبائر، وما دونهما.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم