ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أول هذه القصة قوله : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (١) وإنما قدمت عليه ليدل بالاستقلال على نوع آخر من مساوئهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال، والقصة أنه كان في بني إسرائيل رجل غني اسمه عاميل وله ابن عم فقير لا وارث له سواه، فلما طال له موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى وألقاه بفنائهم، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس يدعي عليهم القتل، فسألهم موسى عليه السلام فجحدوا فاشتبه الأمر على موسى فسألوه ليبين لهم بدعائه فقال موسى إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً مأخوذ من البقر بمعنى الشق وهي تبقر الأرض للحراثة، قَالُواْ استبعادا لما قاله واستخفافا به أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً مصدر بمعنى المفعول أي تهزوا بنا، أو حمل مبالغة أو بحذف المضاف أي أهل هزو.
قرأ حفص هُزُواً وكُفُواً بضم الزاي والفاء من غير همز، وحمزة بإسكان الزاي والفاء وبالهمزة وصلا فإذا وقف أبدل الهمزة واوا على أصله والباقون بالضم والهمزة.
قال موسى أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ فإن الاستهزاء والجواب لاعلى وفق السؤال من عادة الجهال، نفى عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان وأخرج في صورة الاستعاذة استعظاما له فلما علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله عز وجل وكان حصول المقصود من ذبح البقرة مستبعدا عندهم وزعموا أنها بقرة عظيمة الشأن فاستوصفوها ولم يكن ذلك إلا لفرط حماقتهم، قال رسو الله صلى الله عليه وسلم :«لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم » رواه سعيد بن منصور عن عكرمة مرسلا وأخرجه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفا. وكان لله تعالى فيه حكمة، وذلك أن كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وكان له عجل أتى بها إلى غيضة وقال : اللهم إني أستودعك هذه العجل لابني حتى يكبر ومات الرجل فصارت العجل في الغيضة عوانا وكانت تهرب من كل من رآها، فلما كبر الابن كان بارا بوالدته وكان يقسم الليلة ثلاثة أثلاث يصلي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمه ثلثا فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به إلى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي أمه ثلثه، فقالت له أمه يوما : إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق فادع إله إبراهيم وإسماعيل و إسحاق عليهم السلام أن يردها عليك وعلامتها أنك إذا نظرت إليها تخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تلك البقرة تسمى المذهبة لحسنها وصفوتها، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال : أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت بإذن الله تعالى وقالت : أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى : إن أمي لم تأمرني ولكن قالت خذ بعنقها فقالت البقرة : بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك، فسار الفتى إلى أمه فقالت له إنك فقير لا مال لك وشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، قال : بكم أبيعها ؟ قالت : ثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي، وكانت ثمن البقرة ثلاثة دنانير، فانطلق بها إلى السوق فبعث الله ملكا ليرى خلقه قدرته وليختبر كيف بره بأمه وكان به خبيرا فقال الملك : بكم تبيع هذه البقرة ؟ قال : بثلاثة دنانير وأشترط عليك رضا والدتي، فقال له الملك : خذ ستة دنانير ولا تستأمر والدتك، فقال الفتى : لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذ إلا برضا أمي، فردها إلى أمه وأخبرها فقالت : ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني، فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال : استأمرت أمك ؟ فقال الفتى : إنها أمرتني أن لا أنقصها من ستة على أن أستأمرها، فقال الملك : إني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى ورجع إلى أمهر فأخبرها بذلك، فقال : إن الذي يأتيك ملك يأتي في صورة آدمي ليختبرك فإذا أتى فقل له أتأمرنا أن يبيع هذه البقرة أم لا، ففعل فقال له الملك : اذهب إلى أمك فقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران عليه السلام يشتريها منكم لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملأ مسكها دنانير، فأمسكوها وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها، فما زالوا يستوصفون حتى وصف لهم تلك مكافأة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة، فذلك قوله تعالى. قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ .

١ سورة البقرة، الآية: ٧٢.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير