يقول الله جل وعلا : وإذ فال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين [ البقرة : الآية ٦٧ ] قرأ هذا الحرف جمهور القراء : هزؤا بضم الزاي والهمزة، وقرأه حمزة : هزءا وهي لغة تميم، وأسد، وقيس، وقرأه حفص عن عاصم هزوا بإبدال الهمزة واوا.
ومعنى قوله جل وعلا : وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة كما ذكره المفسرون : أنه قتل في بني إسرائيل قتيل كما يأتي في قوله : وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها [ البقرة : آية ٧٢ ] يزعمون أن اسم القتيل ( عاميل ). قال بعضهم : كان له أقرباء فقراء، وهو غني، فقتلوه ليرثوه. وقيل : كانت تحته امرأة جميلة فقتله بعض الناس ليتزوجها. والأول أكثر قائلا. وعلى كل حال فالذين قتلوا القتيل ادعوه على غيرهم، وسألوا من نبي الله موسى أن يسأل الله لهم ليبين لهم قاتل القتيل، فأمرهم الله ( جل وعلا ) على لسان نبيه أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل بجزء منها، فيحيا القتيل، ويخبرهم بقاتله. وهذا معنى قوله : واذكر إذ قال أي : حين قال موسى لقومه لما ادارؤوا في القتيل وتدافعوه، كل يدفع قتله عن نفسه إلى غيره : إن الله جل وعلا يأمركم أن تذبحوا بقرة أي : وتضربوا القتيل ببعضها فيحيا، فيخبركم عن قاتله. وقرأ هذا الحرف جماهير القراء : يأمركم بضمة مشبعة على القياس. وقرأه أبو عمرو : يأمركم بإسكان الراء، وزاد عنه الدوري باختلاس الضمة، وقد قدمنا وجه ذلك في قراءته في فتوبوا إلى بارئكم .
وقوله : أن تذبحوا بقرة المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها هو متعلق الأمر، وأصل ( أمر ) تتعدى بالباء، والأصل :( يأمركم بأن تذبحوا بقرة ) أي : بذبح بقرة، وضرب القتيل بجزء منها، كما عدى الأمر بالباء في قوله : إن الله يأمركم بالعدل والإحسان [ النحل : آية ٩٠ ] فالمصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها مجرور بحرف محذوف، وحذف هذا الحرف قياس مطرد كما عقده في الخلاصة بقوله :
وعد لازما بحرف جر*** وإن حذف فالنصب للمنجر
نقلا وفي أن وأن يطرد*** مع أمن لبس كعجبت أن يدوا
ولطالب العلم هنا سؤال، وهو أن يقول : عرفنا أن المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها المجرور بالباء المحذوفة في قوله : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أي :( يأمركم بأن تذبحوا بقرة )، فهذا المصدر بعد حذف الباء هل محله الجر بالباء المحذوفة، أو محله النصب لما نزع الخافض ؟
الجواب : أن جماهير النحويين أنه في محل نصب، وأنه لو عطف عليه لنصب على اللغة الفصحى. وخالف في هذا ( الأخفش ) فقال : إن محله الجر. واستدل على ان محله الجر بأنه سمع عن العرب خفض المعطوف عليه في قول الشاعر :
وما زرت ليلى أن تكون حبيبة*** إلي ولا دين بها أنا طالبه
فخفض قوله : " ولا دين " بالعطف على المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها المجرور بحرف محذوف. وتقرير المعنى : " فما زرت ليلى أن تكون حبيبة " أي : لكونها حبيبة، ولا لدين بها أنا طالبه. وأجاز سيبويه الوجهين، أن محله الكسر، والعطف عليه بالخفض، وأن محله النصب، والعطف عليه بالنصب.
وأجاب الجمهور عن البيت الذي أورده الأخفش بأن الخفض فيه من عطف التوهم، وعطف التوهم يكفي فيه مطلق توهم جواز الخفض. وعطف التوهم مسموع في كلام العرب، ومن أمثلة قول زهير :
بدا لي أني لست مدرك ما مضى*** ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
فالرواية نصب " مدرك " وخفض " سابق "، والمخفوض معطوف على المنصوب، وهو عطف توهم. أعني توهم ( الباء ) في خبر ( ليس ) ؛ لأن ( بدا لي أني لست مدرك ما مضى ) يجوز فيه : لست بمدرك ولا سابق، كما قال :
وبعد ( ما ) و ( ليس ) جر ( البا ) الخبر...............................
فتوهموا ( الباء ) لمطلق الجواز، وعطفوا عليه خفضا عطف توهم، ونظيره قول الآخر :
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة*** ولا ناعب إلا ببين غرابها
بخفض ( ناعب ) عطفا على ( مصلحين )، لتوهم جواز دخول الباء.
قالوا : من ذلك :
وما زرت ليلى أن تكون حبيبة إلي ولا دين....
لتوهم اللام.
وقوله جل وعلا : أن تذبحوا بقرة الذبح معروف، و ( بقرة ) قال بعض العلماء : تاؤه للتأنيث، وذكره يسمى ثورا. وقال بعض العلماء : هي تاؤه الوحدة، والبقر يطلق على ذكره وأنثاه.
وهذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأت، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
وقوله جل وعلا : قالوا أتتخذنا هزوا أي : قال قوم موسى لما قال لهم : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة : أتتخذنا هزوا أي : مهزوءا منا من قبلك بأن نقول لك : ادع لنا ربك يبين لنا قاتل القتيل، فتجيبنا بقولك : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فهذا الجواب غير مطابق للسؤال، فكأنك تستهزئ منا، وتسخر منا، ولم يفهموا أن المراد بذبح البقرة أنه يضرب القتيل ببعض منها فيحيا – بإذن الله – ويخبرهم بقاتله، فقال نبي الله موسى : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين أعتصم وأمتنع بربي أن أكون من الجاهلين. الجاهلون : جمع الجاهل، وهو الوصف من ( جهل ). وأحسن تعار يف الجهل عند علماء الأصول : أنه هو انتفاء العلم بما من شأنه أن يقصد ليعلم، وللعلماء فيه أقوال متعددة محل ذكرها في فن الأصول.
والمعنى : أن نبي الله موسى استعاذ بربه ( جل وعلا ) من أن يكون معدودا، وفي عداد الجاهلين. والآية تدل على أن من يستهزىء من الناس أنه جاهل لأن نبي الله موسى استعاذ بالله أن يكون اتخذهم هزوا كما قالوا ؛ ولذا قال : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين فلما علموا أن الأمر من الله جد، وأن الجواب مطابق لسؤالهم، وأن المراد بذبح البقرة أن يضرب القتيل بجزء منها فيحيا، فيخبرهم بقاتله، تعنتوا وأكثروا الأسئلة فشددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير