٨- قوله تعالى في صفة المنافقين وإظهارهم الإيمان مع إسرارهم الكفر ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين٨ الآيات |البقرة :٨-١٦|. قال بعض المفسرين لهذه الآية : عدم الأمر بقتلهم يدل على جواز استتابة الزنديق لأن الله تعالى لم يأمر بقتلهم وإليه ذهب الشافعي(١) وأصحاب الرأي(٢) والطبري(٣) وأبو حنيفة في أحد قوليه. وهذا استدلال ضعيف لأن الآية لا تدل عليه بلفظ، ولا بمفهوم لفظ وغاية ما فيها عدم الأمر، وعدم الأمر ليس بحكم يقتضي حكما(٤). وقال الشافعي وأصحابه : إنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإيمان بألسنتهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله، كالكافر لا يصلي، فمن قال : إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكافر، فقد خالف معنى الكتاب و السنة وجعل شهادة الشهود على الزنديق فوق شهادة الله تعالى على المنافقين قال تعالى : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله الآيات |المنافقون : ١-٨| واحتج ابن حنبل لهذا القول بحديث مالك بن الدخشم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه : " أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم " (٥).
وأما مالك وأصحابه فيقولون : إنه لا تقبل للزنديق توبة ويقتل(٦). قال مالك رحمه الله تعالى : النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة لأنه لا يظهر ما يستثاب منه، وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين ليسن الحكم لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين(٧).
قال إسماعيل القاضي : لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل(٨).
قال بعض المفسرين : وليس في قول عبد الله بن أبي لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل |المنافقون : ٨ | صريح كفر وإنما يفهم من قوته الكفر(٩). وهذا أقوى من الاعتذار عنه بانفراد زيد بالشهادة عليه وفي هذا وهم من وجهين :
أحدهما : أن(١٠) دلالة المفهوم من اللفظ كدلالة صريح اللفظ فيما يوجبه من الحكم.
والثاني : أن الله تعالى قد شهد على قائل ذلك بالفكر، فلو شهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم |به على عبد الله بن أبي|(١١) شاهدان لقتله.
واحتج ابن الماجشون لمذهب مالك بقوله تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض إلى قوله |تعالى|(١٢) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا٦١ |الأحزاب : ٦٠، ٦١|.
قال |قتادة|(١٣) : معناه إذا هم أعلنوا النفاق(١٤). وفي هذه الآية رد على غلاة المرجئة. قال بعض المفسرين : وهم الكرامية(١٥)، في قولهم : إن مظهر الشهادتين بلسانه يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه تعلقا منهم بقوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق حديث مالك بن الدخشم(١٦) : " لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله فيدخل النار |وأني رسول الله| " (١٧) وبغير ذلك من ظواهر الأخبار، لأنه تعالى قد نفى الإيمان عن المنافقين بقوله تعالى : وما هم بمؤمنين |البقرة : ٨ |.
٢ يراجع أحكام القرآن للجصاص ١/٣١، ٣٢..
٣ يراجع جامع البيان ١/١٥٢-١٥٨- ط دار ابن حزم..
٤ يراجع لمناقشة هذا المحرر الوجيز ١/١٢٧-١٧٢ ط مصر والجامع لأحكام القرآن للقربي ١/١٩٨- ٢٠٠..
٥ يراجع الأم للشافعي ٦/١٥٦-١٥٨..
٦ رواه مالك في الموطأ ١/٢٤٢/٤٧٤ عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه قال: الحديث وفيه قصة.
قال ابن عبد البر: "هكذا رواه سائر رواة الموطأ، عن مالك، إلا روح بن عبادة فانه رواه عن مالك متصلا مسندا" كما في التمهيد ١٠/١٥٠.
وقد تابع مالكا ابن جريح على هذا الحديث مرسلا. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٨٦٨٨ ومن طريقه أحمد ٥/٤٣٣ وعبد بن حميد في المنتخب ٤٩٠ وابن حبان الإحسان: ٥٩٧١ عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي، عن أبيه مرفوعا.
قال أبو حاتم الرازي: "هذا خطأ إنما هو عن عبيد الله بن عدي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل.
قلت لأبي الخطأ ممن هو؟ قال: من عبد الرزاق" كذا في العلل لابن أبي حاتم ١/ رقم ٩٠٧..
٧ يراجع الموطأ ٢/٢٨٠/٢١٥١ والمحرر الوجيز لابن عطية ١/١٦٩ والتمهيد لابن عبد البر ١٠/١٥٤..
٨ نقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ١/١٦٩..
٩ قاله ابن عطية في المصدر السابق ١/١٦٩..
١٠ في ب "إنه"..
١١ سقطت من ب..
١٢ سقطت من ب..
١٣ سقطت من ب..
١٤ نقله ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/١٦٩..
١٥ نسبه إلى محمد بن كرام من سجستان توفي سنة ٢٠٠ه صاحب مذهب وبدعة معروف له عدة أقوال وآراء خالف فيها سلف الأمة. يراجع مقالات الإسلاميين للأشعري ص١٤١ والملل والنحل للشهرستاني ١/١٠٨-١١٣ ويراجع المحرر الوجيز لابن عطية ١/١٧٠، ١٧١..
١٦ كما في روايتين عند أحمد في المسند ٣/١٧٤ و ٥/٤٤٩..
١٧ زيادة من ب..
أحكام القرآن
ابن الفرس