ولما ذكر الحق – جل جلاله- من أعلن بالإنكار، ذكر من أسر بالجحود وأظهر الإقرار، فقال جل وعلا :
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
قلت : من موصوفة مبتدأ، والخبر مقدم، أي : ومن الناس ناس يقولون كذا، والمخادعة : إظهار خلاف ما يخفي من المكروه، وأصل الخدع : الإخفاء، ومنه المخدع للبيت الذي يخبأ فيه المتاع. وقيل : الفساد لأن المنافقين يفسدون إيمانهم بما يُخْفُون.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وَمِنَ النَّاسِ مَن هم مغموص عليهم بالنفاق كبعض اليهود والمنافقين، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يقولون : آمَنَّا بِاللَّهِ وبِاليَومِ الآخِر وما هُم في عداد المؤمنين.
وما يخادع في الحقيقة إلا نفسه، حيث حرمها الوصول، وتركها في أودية الأكوان تجول، قلبه بمرض الفرق والقطعية سقيم، وهو يظن أنه في عداد مَن يأتي الله بقلب سليم، فزاده الله مرضاً على مرضه حيث رضي بسقمه وعيبه، وله عذاب الحرص والتعب في ضيق الحجاب والنصب بسبب كذبه على الله، وإنكاره على أولياء الله، فجزاؤه البعد والخذلان، وسوء العاقبة والحرمان، عائذاً بالله من المكر والطغيان. أمَّا الخِيَامُ فَإنَّها كخِيَامهمْ وأَرَى نِسَاءَ الحيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي