قوله تعالى : وقالوا أي بنو إسرائيل معتذرين عن ردهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ قلوبنا غلف جمع أغلف ؛ و " الأغلف " هو الذي عليه غلاف يمنع من وصول الحق إليه. يعني مغلفة لا تصل إليها دعوة الرسل ؛ وهذه حجة باطلة ؛ ولهذا قال تعالى : بل لعنهم الله بكفرهم ؛ و بل للإضراب الإبطالي. أي أن الله تعالى أبطل حجتهم هذه، وبيَّن أنه تعالى : لعنهم . أي طردهم، وأبعدهم عن رحمته ؛ بكفرهم أي بسبب كفرهم، حيث اختاروا الكفر على الإيمان ؛ و " كُفْر " مصدر مضاف إلى فاعله ؛ ولم يذكر مفعوله ليعم الكفرَ بكل ما يجب الإيمان به..
قوله تعالى : فقليلاً ما يؤمنون أي قليلاً إيمانهم ؛ وعلى هذا تكون ما إما مصدرية ؛ وإما زائدة لتوكيد القلة ؛ وهل المراد بالقلة العدم، أو هي على ظاهرها ؟ المعنى الأول أقرب ؛ لأن الظاهر من حالهم عدم الإيمان بالكلية ؛ ولا يمتنع أن يراد بالقلة العدم إذا دلت عليه القرائن الحالية، أو اللفظية..
. ١ من فوائد الآيتين : إثبات رسالة موسى ؛ لقوله تعالى :( ولقد آتينا موسى الكتاب )
. ٢ ومنها : تأكيد الخبر ذي الشأن. وإن لم ينكر المخاطب ؛ لقوله تعالى : ولقد آتينا ؛ فإنها مؤكدة بثلاث مؤكدات مع أنه لم يخاطب بها من ينكر ؛ وتأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع :.
أولاً : إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة : إنه في هذه الحال يؤكد وجوباً..
ثانياً : إذا خوطب به المتردد ؛ وقد قال علماء البلاغة : إنه في هذه الحال يؤكد استحساناً..
ثالثاً : إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يحسن توكيده. وإن خوطب به من لم ينكر، أو يتردد..
٣. ومن فوائد الآيتين : أن من بعد موسى من الرسل من بني إسرائيل تبع له ؛ لقوله تعالى : وقفينا من بعده بالرسل ؛ ويشهد لهذا قوله تعالى : إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار ( المائدة : ٤٤ )
. ٤ ومنها : ثبوت رسالة عيسى ؛ لقوله تعالى :( وآتينا عيسى بن مريم البينات )
. ٥ ومنها : أن من ليس له أب فإنه ينسب إلى أمه ؛ لأن عيسى عليه السلام نسب إلى أمه..
وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أم من ليس له أب شرعاً هي عصبته ؛ فإن عدمت فعصبتها. خلافاً لمن قال : إن أمه ليس لها تعصيب ؛ ويظهر أثر ذلك بالمثال : فلو مات من ليس له أب عن أمه، وخاله : فلأمه الثلث والباقي لخاله. على قول من يقول : إن الأم لا تعصيب لها ؛ أما على القول الراجح : فلأمه الثلث فرضاً، والباقي تعصيباً..
. ٦ ومن فوائد الآيتين : أن عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم أعطاه الله سبحانه وتعالى آيات كونية، وشرعية ؛ مثال الشرعية : الإنجيل ؛ ومثال الكونية : إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه، والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً يطير بإذن الله ؛ وكذلك أيضاً يخبرهم بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم ؛ قال العلماء : إنما أعطي هذه الآية الكونية ؛ لأن الطب في عهده ارتقى إلى درجة عالية، فأتاهم بآيات لا يقدر الأطباء على مثلها ؛ كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم ترقى في عهده الكلام إلى منْزلة عالية في البلاغة، والفصاحة ؛ فآتاه الله سبحانه وتعالى القرآن العظيم الذي عجزوا أن يأتوا بمثله..
. ٧ ومن فوائد الآيتين : أن الله سبحانه وتعالى أيد عيسى بجبرائيل ؛ لقوله تعالى :{ وأيدناه بروح القدس.
. ٨ ومنها : أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون من أمَرَهم الله بتأييده ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت :" اللهم أيده بروح القدس(١) "..
. ٩ ومنها : بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق ؛ لقوله تعالى :( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون )
. ١٠ ومنها : أن بني إسرائيل يبادرون بالاستكبار عند مجيء الرسل إليهم، ولا يتأنون ؛ لقوله تعالى : أفكلما جاءكم ، ثم قال تعالى : استكبرتم ؛ لأن مقتضى ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيباً للشرط : كلما وجد الشرط وجد الجزاء فوراً..
. ١١ ومنها : توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان مناهجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع ؛ ففي الشرائع : لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع بما لا تهوى أنفسهم : انقسموا إلى قسمين : فريقاً يكذبون ؛ وفريقاً يقتلون مع التكذيب..
. ١٢ ومنها : أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل ؛ فإذا استكبر عن الحق. سواء تحيل على ذلك بالتحريف ؛ أو أقر بأن هذا الحق، ولكنه استكبر عنه. فإنه مشابه ببني إسرائيل..
والخارجون عن الحق ينقسمون إلى قسمين : قسم يقرُّ به، ويعترف بأنه عاصٍ ؛ وهذا أمره واضح، وسبيله بين، وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاول أن يحرف النصوص إلى هواه ؛ وهذا الأخير أشد على الإسلام من الأول ؛ لأنه يتظاهر بالاتباع وهو ليس من أهله..
. ١٣ ومن فوائد الآيتين : أن بعض الناس يستكبر عن الحق ؛ لأنه مخالف لهواه..
. ١٤ ومنها : أن بني إسرائيل انقسموا في الرسل الذين جاءوا بما لا تهوى أنفسهم إلى قسمين : قسم كذبوهم ؛ وقسم آخر قتلوهم مع التكذيب..
. ١٥ومنها : أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة ؛ فقالوا : قلوبنا غلف..
. ١٦ ومنها : أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم ؛ يوجد أناس نسمع عنهم أنهم إذا نُصِحوا، ودُعوا إلى الحق قالوا :" ما هدانا الله " ؛ وهؤلاء مشابهون لليهود الذين قالوا :( قلوبنا غلف )
. ١٧ ومنها : أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء ؛ لقوله تعالى : بل لعنهم الله ؛ وهذا الإضراب للإبطال. يعني ليست القلوب غَلفاء لا تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصل الحق ؛ وهو لَعْن الله إياهم بسبب كفرهم..
. ١٨ ومنها : أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع..
. ١٩ منها : بيان أن الأسباب مهما قويت إذا غلب عليها المانع لم تؤثر شيئاً ؛ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى ؛ وقد قيل : إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها، وانتفاء موانعها..
. ٢٠ ومنها : إثبات الأسباب، وأن لها تأثيراً في مسبباتها بإذن الله ؛ لقوله تعالى :( بل لعنهم الله بكفرهم ).
. ٢١ ومنها : أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل، أو معدوم ؛ لقوله تعالى :( فقليلاً ما يؤمنون )
الفوائد :
. ١ من فوائد الآيتين : إثبات رسالة موسى ؛ لقوله تعالى :( ولقد آتينا موسى الكتاب )
. ٢ ومنها : تأكيد الخبر ذي الشأن. وإن لم ينكر المخاطب ؛ لقوله تعالى : ولقد آتينا ؛ فإنها مؤكدة بثلاث مؤكدات مع أنه لم يخاطب بها من ينكر ؛ وتأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع :.
أولاً : إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة : إنه في هذه الحال يؤكد وجوباً..
ثانياً : إذا خوطب به المتردد ؛ وقد قال علماء البلاغة : إنه في هذه الحال يؤكد استحساناً..
ثالثاً : إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يحسن توكيده. وإن خوطب به من لم ينكر، أو يتردد..
٣. ومن فوائد الآيتين : أن من بعد موسى من الرسل من بني إسرائيل تبع له ؛ لقوله تعالى : وقفينا من بعده بالرسل ؛ ويشهد لهذا قوله تعالى : إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار ( المائدة : ٤٤ )
. ٤ ومنها : ثبوت رسالة عيسى ؛ لقوله تعالى :( وآتينا عيسى بن مريم البينات )
. ٥ ومنها : أن من ليس له أب فإنه ينسب إلى أمه ؛ لأن عيسى عليه السلام نسب إلى أمه..
وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أم من ليس له أب شرعاً هي عصبته ؛ فإن عدمت فعصبتها. خلافاً لمن قال : إن أمه ليس لها تعصيب ؛ ويظهر أثر ذلك بالمثال : فلو مات من ليس له أب عن أمه، وخاله : فلأمه الثلث والباقي لخاله. على قول من يقول : إن الأم لا تعصيب لها ؛ أما على القول الراجح : فلأمه الثلث فرضاً، والباقي تعصيباً..
. ٦ ومن فوائد الآيتين : أن عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم أعطاه الله سبحانه وتعالى آيات كونية، وشرعية ؛ مثال الشرعية : الإنجيل ؛ ومثال الكونية : إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه، والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً يطير بإذن الله ؛ وكذلك أيضاً يخبرهم بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم ؛ قال العلماء : إنما أعطي هذه الآية الكونية ؛ لأن الطب في عهده ارتقى إلى درجة عالية، فأتاهم بآيات لا يقدر الأطباء على مثلها ؛ كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم ترقى في عهده الكلام إلى منْزلة عالية في البلاغة، والفصاحة ؛ فآتاه الله سبحانه وتعالى القرآن العظيم الذي عجزوا أن يأتوا بمثله..
. ٧ ومن فوائد الآيتين : أن الله سبحانه وتعالى أيد عيسى بجبرائيل ؛ لقوله تعالى :{ وأيدناه بروح القدس.
. ٨ ومنها : أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون من أمَرَهم الله بتأييده ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت :" اللهم أيده بروح القدس(١) "..
. ٩ ومنها : بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق ؛ لقوله تعالى :( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون )
. ١٠ ومنها : أن بني إسرائيل يبادرون بالاستكبار عند مجيء الرسل إليهم، ولا يتأنون ؛ لقوله تعالى : أفكلما جاءكم ، ثم قال تعالى : استكبرتم ؛ لأن مقتضى ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيباً للشرط : كلما وجد الشرط وجد الجزاء فوراً..
. ١١ ومنها : توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان مناهجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع ؛ ففي الشرائع : لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع بما لا تهوى أنفسهم : انقسموا إلى قسمين : فريقاً يكذبون ؛ وفريقاً يقتلون مع التكذيب..
. ١٢ ومنها : أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل ؛ فإذا استكبر عن الحق. سواء تحيل على ذلك بالتحريف ؛ أو أقر بأن هذا الحق، ولكنه استكبر عنه. فإنه مشابه ببني إسرائيل..
والخارجون عن الحق ينقسمون إلى قسمين : قسم يقرُّ به، ويعترف بأنه عاصٍ ؛ وهذا أمره واضح، وسبيله بين، وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاول أن يحرف النصوص إلى هواه ؛ وهذا الأخير أشد على الإسلام من الأول ؛ لأنه يتظاهر بالاتباع وهو ليس من أهله..
. ١٣ ومن فوائد الآيتين : أن بعض الناس يستكبر عن الحق ؛ لأنه مخالف لهواه..
. ١٤ ومنها : أن بني إسرائيل انقسموا في الرسل الذين جاءوا بما لا تهوى أنفسهم إلى قسمين : قسم كذبوهم ؛ وقسم آخر قتلوهم مع التكذيب..
. ١٥ومنها : أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة ؛ فقالوا : قلوبنا غلف..
. ١٦ ومنها : أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم ؛ يوجد أناس نسمع عنهم أنهم إذا نُصِحوا، ودُعوا إلى الحق قالوا :" ما هدانا الله " ؛ وهؤلاء مشابهون لليهود الذين قالوا :( قلوبنا غلف )
. ١٧ ومنها : أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء ؛ لقوله تعالى : بل لعنهم الله ؛ وهذا الإضراب للإبطال. يعني ليست القلوب غَلفاء لا تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصل الحق ؛ وهو لَعْن الله إياهم بسبب كفرهم..
. ١٨ ومنها : أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع..
. ١٩ منها : بيان أن الأسباب مهما قويت إذا غلب عليها المانع لم تؤثر شيئاً ؛ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى ؛ وقد قيل : إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها، وانتفاء موانعها..
. ٢٠ ومنها : إثبات الأسباب، وأن لها تأثيراً في مسبباتها بإذن الله ؛ لقوله تعالى :( بل لعنهم الله بكفرهم ).
. ٢١ ومنها : أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل، أو معدوم ؛ لقوله تعالى :( فقليلاً ما يؤمنون )
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي