ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

موقف اليهود من الرسل والكتب المنزلة
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٨٧ الى ٨٩]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)
الإعراب:
أَفَكُلَّما الهمزة استفهام بمعنى التوبيخ، والفاء: حرف عطف، و «كلما» ظرف زمان يفيد التكرار، ويقتضي الجواب، والعامل فيه جوابه وهو اسْتَكْبَرْتُمْ. فَفَرِيقاً منصوب بكذبتم وَفَرِيقاً الثاني منصوب بتقتلون. وإنما تقدم المفعول للاهتمام به، وإنما قال:
تَقْتُلُونَ ولم يقل «قتلتم» مثل كَذَّبْتُمْ مراعاة لفواصل الآيات.
قُلُوبُنا غُلْفٌ مبتدأ وخبر. فَقَلِيلًا منصوب لأنه صفة مصدر محذوف، وما زائدة. وتقديره: فإيمانا قليلا يؤمنون. والمراد بالقلة هنا النفي، مثل قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [الأعراف ٧/ ١٠] أي لا يشكرون أصلا.
وَلَمَّا ظرف زمان مبني إما لأنه أشبه معنى الحرف، أو لأنه تضمن معنى الحرف. وجواب «لما» في رأي البصريين محذوف تقديره: نبذوه أو كفروا به، وفي رأي الكوفيين: مذكور، وهو الفاء في قوله فَلَمَّا وكرر «لما» لطول الكلام.
البلاغة:
تقديم المفعول وهو «فريقا كذبتم» و «فريقا تقتلون» للاهتمام به وتشويق السامع إلى

صفحة رقم 218

ما بعده. وإنما قال: تَقْتُلُونَ ولم يقل «قتلتم» لتطابق «كذبتم» لأجل الفواصل، فإن فواصل الآيات كرؤوس الأبيات، ولأن المضارع يستعمل في الماضي الذي بلغ من الغرابة مبلغا عظيما، كأن صورة قتل الأنبياء ماثلة أمام السامع ينظر إليها.
عَلَى الْكافِرِينَ ولم يقل «عليهم» : وضع الظاهر مكان الضمير، ليبين أن سبب اللعنة هو كفرهم.
المفردات اللغوية:
الْكِتابَ التوراة. وَقَفَّيْنا أتبعناهم رسولا إثر رسول على منهاج واحد.
وعِيسَى بالسريانية: يسوع، ومعناه السيد أو المبارك، ومَرْيَمَ بالعبرية: الخادم، لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس. الْبَيِّناتِ المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.
وَأَيَّدْناهُ قويناه. بِرُوحِ الْقُدُسِ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الروح المطهرة المقدسة: جبريل عليه السّلام، لطهارته، ينزل على الأنبياء ويقدس نفوسهم ويزكيها، قال الحسن البصري: «إنما سمي جبريل (روح القدس) لأن القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف»، قال الرازي: «ومما يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى [في سورة النحل ١٦/ ١٠٢] : قُلْ: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ» «١» ويطلق عليه الروح الأمين كما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء ٢٦/ ١٩٣- ١٩٥]. تَهْوى تحب. اسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم عن اتباعه. تَقْتُلُونَ يراد به حكاية الحال الماضية، أي قتلتم كزكريا ويحيى عليهما السّلام.
غُلْفٌ عليها أغشية وأغطية، فلا تعي ما تقول. بَلْ للإضراب. لَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم من رحمته وخذلهم من القبول. بِكُفْرِهِمْ أي ليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم.
ما يُؤْمِنُونَ ما زائدة، لتأكيد القلة، أي إيمانهم قليل جدا، أو معدوم.
مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التوراة، والكتاب هو القرآن. يَسْتَفْتِحُونَ يستنصرون ببعثته صلّى الله عليه وسلّم على الكفار، يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان. ما عَرَفُوا من الحق، وهو بعثة النّبي. كَفَرُوا بِهِ حسدا وخوفا على الزعامة أو الرياسة.
سبب نزول الآية (٨٩) :
قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود

(١) محاسن التأويل للقاسمي: ٢/ ١٨٦ [.....]

صفحة رقم 219

خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء: «اللهم إنا نسألك بحق محمد النّبيّ الأميّ الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم» فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان. فلما بعث النّبي صلّى الله عليه وسلّم كفروا به، فأنزل الله تعالى:
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي بك يا محمد، إلى قوله:
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «١».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء وداود بن سلمة: يا معشر اليهود: اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله:
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة ٢/ ٨٩].
وقال السدي: «كانت العرب تمرّ بيهود، فتلقى اليهود منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد في التوراة أنه يبعثه الله، فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد صلّى الله عليه وسلّم كفروا به حسدا، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل» «٢».
التفسير والبيان:
اليهود قساة القلوب، عبدة المصالح المادية، والأهواء الذاتية، فتجددت فيهم الإنذارات الإلهية، وأرسلت إليهم الرسل، بعضهم إثر بعض، فكان

(١) أخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل بسند ضعيف عن ابن عباس.
(٢) أسباب النزول للواحدي: ص ١٥، أسباب النزول للسيوطي: ص ١٩ وما بعدها.

صفحة رقم 220

بنو إسرائيل أكثر الشعوب حظا في عدد الرسل الذين أرسلوا إليهم، ومع ذلك كانوا ينسون الإنذارات، ويحرفون الشرائع، ويتبعون أهواءهم، ويعصون رسلهم، إما بالتكذيب وإما بالقتل.
وهذه الآيات تذكير لهم بإعطاء موسى التوراة، وإتباعه بالرسل: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [المؤمنون ٢٣/ ٤٤] وهم يوشع وداود وسليمان وعزير وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السّلام، وكانوا كلهم يحكمون بشريعة موسى، كما قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا.. الآية [المائدة ٥/ ٤٤] إلا أن عيسى جاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات- وهي المعجزات كإحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها، فتكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس وهو جبريل عليه السّلام- ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في بعض الأحكام، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى:
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران ٣/ ٥٠].
وكانت النتيجة أنه كلما جاءهم رسول بما لا تميل إليه نفوسهم، وهي لا تميل إلى الخير دائما، كفروا به واستكبروا عليه تجبرا وبغيا، فمنهم من كذبوه كعيسى ومحمد عليهما السّلام، ومنهم من قتلوه كزكريا ويحيى عليهما السّلام، فلا غرابة بعدئذ إن لم يؤمنوا بدعوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فإن العناد من طبعهم. والخطاب لجميع اليهود، لأنهم فعلوا ذلك في الماضي ورضي عنهم أولادهم.
ومن قبائحهم قولهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم: قلوبنا عليها غشاء، فلا تعي ما تقوله، ولا تفقه ما تتكلم به، فيرد الله عليهم: لستم كذلك، فقلوبكم خلقت مستعدة بالفطرة للنظر الذي يوصل إلى الحق، لكن الله أبعدكم من رحمته، بسبب كفركم

صفحة رقم 221

بالأنبياء وعصيانكم التوراة. ولم يظلمهم الله بهذا الإبعاد أو الطرد من رحمته، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فإيمانهم قليل جدا، فهم آمنوا ببعض الكتاب، وتركوا العمل بالبعض الآخر أو حرفوه، أو أنهم لم يؤمنوا أصلا.
وكان عندهم وصف النّبي صلّى الله عليه وسلّم وبيان زمانه، وكانوا يستنصرون به على المشركين ويقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة.
فلما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم، مصدق لما معهم من التوراة، ومؤكد وصف النّبي المعروف عندهم، كفروا به حسدا للعرب، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، واستكبروا عن قبول دعوته وإجابته احتقارا للرسل، وهم يعلمون أنه رسول الله، وآثروا الدنيا على الآخرة، فلعنة الله على كلّ كافر من اليهود وغيرهم، لأنه كفر بدعوة الإسلام.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه صورة واضحة تبين موقف فئة من البشر من الأحكام الإلهية، فمن أعرض عنها، وجحد بها، واستكبر عن قبولها، كان مصيره المحقق المنتظر هو استحقاق العذاب والطرد من رحمة الله تعالى.
وهذا الحشد المتتابع من الرسل الذين جاؤوا لبني إسرائيل يدلّ على مزيد العناية الإلهية بأعتى البشر، وتمكينه من العودة إلى طريق الحق، فإذا عوقب ذلك العاتي المستكبر، كان عقابه حقا وعدلا.
والله تعالى منزّه عن ظلم أحد، ففي قوله تعالى: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [البقرة ٢/ ٨٨] بيان السبب في نفورهم عن الإيمان، وهو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه.

صفحة رقم 222

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية