ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

وقوله : بِئْسَما اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ...
معناه - والله أعلم - باعوا به أنفسَهم. وللعرب في شَرَوْا واشْتَروا مذهبان، فالأكثرُ منهما أن يكون شَرَوْا : باعوا، واشتروا : ابتاعوا، وربما جعلوهما جميعا في معنى باعوا، وكذلك البيع ؛ يقال : بعت الثوب. على معنى أخرجتُه من يدي، وبعته : اشتريتُه، وهذه اللُّغة في تميم وربيعة. سمعت أبا ثَرْوانَ يقول لرجل : بِعْ لي تمرا بدرهم. يريد اشتر لي ؛ وأنشدني بعض ربيعة :

ويأْتِيكَ بالأَخْبارِ مَنْ لَم تَبِعْ لَهُ بَتَاتاً ولم تَضْرِبْ له وقْتَ مَوْعِدِ
على معنى لم تشتر له بتاتا ؛ قال الفرّاء : والبتاتُ الزاد. وقوله : بِئْسَما اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ " أَنْ يَكْفُروا " في موضع خفض ورفع ؛ فأما الخفض فأن تردّه على الهاء التي في " به " على التكرير على كلامين كأنّك قلتَ اشتروا أنفسهم بالكفر. وأما الرفع فأن يكون مكرورا أيضا على موضع " ما " التي تلى " بِئس ". ولا يجوز أن يكون رفعاً على قولك بئس الرجل عبد الله، وكان الكسائي يقول ذلك. قال الفراء : وبئس لا يليها مرفوعٌ موقّت ولا منصوبٌ موقَّت، ولها وجهان ؛ فإذا وصلتها بنكرة قد تكون معرفةً بحدوث ألِفٍ ولام فيها نصبت تلك النكرةَ، كقولك : بِئس رجلاً عمرو، ونِعم رجلاً عمرو، وإذا أوليتها معرفة فلتكن غير موقَّتة، في سبيل النكرة، ألا ترى أنك ترفع فتقول : نِعم الرجلُ عمرو، وبِئس الرجلُ عمرو، فإن أضفت النكرة إلى نكرة رفعتَ ونصبتَ، كقولك : نِعم غلامُ سفر زيدٌ، وغلامَ سفر زيدٌ وإن أضفت إلى المعرفة شيئا رفعتَ، فقلت : نِعم سائسُ الخيل زيدٌ، ولا يجوز النّصب إلا أن يُضطرَّ إليه شاعرٌ، لأنهم حين أضافوا إلى النكرة رفعوا، فهم إذا أضافوا إلى المعرفة أَحْرى ألاّ يَنْصبوا. وإذا أوليتَ نِعم وبِئس من النكرات ما لا يكون معرفةً مثل " مثْل " و " أي " كان الكلام فاسدا ؛ خطأٌ أن تقول : نِعْمَ مِثْلُك زيدٌ، ونعم أي رجل زيد ؛ لأن هذين لا يكونان مفسِّرين، ألا ترى أنك لا تقول :[ لله ] دَرُّك مِن أي رجل، كما تقول : لِلّه دَرُّك مِن رجل. ولا يصلح أن تُولِى نِعْم وبِئْسَ " الذي " ولا " مَنْ " ولا " ما " إلا أن تَنْوى بهما الاكتفاء دون أن أتى بعد ذلك اسمٌ مرفوع. من ذلك قولك : بِئسما صنعت، فهذه مكتفية، وساء ما صنعت. ولا يجوز ساء ما صنيعك. وقد أجازه الكسائي في كتابه على هذا المذهب. قال الفراء : ولا نعرف ما جهته، وقال : أرادت العرب أن تجعل " ما " بمنزلة الرجل حرفا تاما، ثم أضمروا لِصنعتَ " ما " كأنّه قال : بئسما ما صنعت، فهذا قوله وأنا أجيزه. فإذا جعلت " نِعْمَ " ( صلة لما ) بمنزلة قولك " كُلّما " و " إنّما " كانت بمنزلة " حَبّذَا " فرفعت بها الأسماء ؛ من ذلك قول الله عز وجل : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِما هي رفعت " هي " ب " نِعِما " ولا تأنيث في " نِعم " ولا تثنيةَ إذا جعلت " ما " صلة لها فتصير " ما " مع " نِعم " بمنزلة " ذا " من " حَبّذَا " ألا ترى أنّ " حبذا " لا يدخلها تأنيث ولا جمعٌ. ولو جعلت " ما " على جهة الحشو كما تقول : عما قليلٍ آتيك، جاز فيه التأنيث والجمع، فقلت : بئسما رجلين أنتما، وبئست ما جاريةً جاريتُك. وسمعت العرب تقول في " نِعم " المكتفية بما : بئسما تزويجٌ ولا مهر، فيرفعون التزويج ب " بئسما ".
وقوله : بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ...
موضع " أنْ " جزاء، وكان الكسائي يقول في " أنْ " : هي في موضع خفض، وإنما هي جزاء.
إذا كان الجزاء لم يقع عليه شيء قبله ( وكان ) ينوى بها الاستقبال كسرتَ " إنْ " وجزمت بها فقلت : أكرمك إنْ تَأتنِي. فإن كانت ماضية قلت : أكرمك أن تَأتِيَني. وأبْيَنُ من ذلك أن تقول : أكرمك أنْ أتَيْتَنى ؛ كذلك قال الشاعر :
أتَجْزَعُ أنْ بَانَ الخَلِيطُ المُوَدّعُ وحَبْلُ الصَّفَا مِنْ عَزَّةَ المُتَقَطِّعُ
يريد أتجزع بِأنْ، أو لأنْ كان ذلك. ولو أراد الاستقبالَ ومَحْض الجزاء لكسر " إنْ " وجزم بها، كقول الله جلّ ثناؤه : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نفْسَكَ على آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فقرأها القُرَّاء بالكسر، ولو قرِئت بفتح " أن " على معنى [ إذ لم يؤمنوا ] ولأن لم يؤمنوا، ومن أن لم يؤمنوا [ لكان صوابا ] وتأويلُ " أن " في موضع نصب، لأنها إنما كانت أداة بمنزلة " إذْ " فهي في موضع نصب إذا ألقيتَ الخافضَ وتَمَّ ما قبلها، فإذا جعلتَ لها الفعل أو أوْقَعته عليها أو أحدثت لها خافضا فهي في موضع ما يصيبها من الرفع والنصب والخفض.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقوله : فَلَما جاءهم ما عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ...
وقبلها " وَلَما ". وليس للأولى جوابٌ، فإن الأولى صار جوابها كأنه في الفاء التي في الثانية، وصارت كَفَرُواْ بِهِ كافية من جوابهما جميعا. ومثله في الكلام : ما هو إلاّ أنْ أتاني عبد الله فلما قَعدَ أوسعتُ له وأكرمتُه. ومثله قوله : فإما يَأتيَنَّكُمْ مِنِّى هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَاي في البقرة فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاي في " طه " اكتفي بجوابٍ واحد لهما جميعا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في البقرة فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى في " طه ". وصارت الفاء في قوله فَمَنْ تَبِعَ كأنها جواب لـ " إما "، ألاَ تَرى أنّ الواو لا تصلحُ في موضع الفاء، فذلك دليلٌ على أن الفاء جواب وليست بنَسَقٍ.


جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقوله : فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ...
لا يكون ( بَاءوا ) مفردةً حتى توصل بالباء. فيقال : باء بإثم يَبُوءُ بَوْءاً. وقوله بِغَضَبٍ على غَضَبٍ أن الله غضب على اليهود في قولهم : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ . ثم غَضِب عليهم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة، فذلك قوله : فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ .


وقوله : فَلَما جاءهم ما عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ...
وقبلها " وَلَما ". وليس للأولى جوابٌ، فإن الأولى صار جوابها كأنه في الفاء التي في الثانية، وصارت كَفَرُواْ بِهِ كافية من جوابهما جميعا. ومثله في الكلام : ما هو إلاّ أنْ أتاني عبد الله فلما قَعدَ أوسعتُ له وأكرمتُه. ومثله قوله : فإما يَأتيَنَّكُمْ مِنِّى هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَاي في البقرة فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاي في " طه " اكتفي بجوابٍ واحد لهما جميعا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في البقرة فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى في " طه ". وصارت الفاء في قوله فَمَنْ تَبِعَ كأنها جواب لـ " إما "، ألاَ تَرى أنّ الواو لا تصلحُ في موضع الفاء، فذلك دليلٌ على أن الفاء جواب وليست بنَسَقٍ.

معاني القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير