وكل ما ذكر من أخبار اليهود وإظهار قبائحهم وتقريعهم على ظلمهم وكفرهم واطلاع النّبي على ما كانوا يكتمونه من شريعة التوراة، فيه دلالة على نبوته عليه السّلام.
كفرهم بما أنزل الله وقتلهم الأنبياء
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٩٠ الى ٩١]
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)
الإعراب:
«ما» في بئسما: إما نكرة موصوفة على التمييز بمعنى شيء، والتقدير: بئس الشيء شيئا، واشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ صفته، وإما بمعنى الذي في موضع رفع، و «اشتروا به» صلته، وتقديره: بئس الذي اشتروا به أنفسهم، وأَنْ يَكْفُرُوا في تقدير المصدر، وهو المقصود بالذم، وهو في موضع رفع لوجهين: أن يكون مبتدأ وما تقدم خبره، أو أن يكون خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هو أن يكفروا، أي كفرهم.
وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً نصب مصدقا على الحال من الحق، والعامل في الحال معنى الجملة، وهذه الحال حال مؤكدة، فالحق لا يجوز أن يفارق التصديق لكتب الله عز وجل، ولو فارق التصديق لها لخرجت عن أن تكون حقا.
البلاغة:
عَذابٌ مُهِينٌ أسندت الإهانة إلى العذاب من قبيل إسناد الأفعال إلى أسبابها.
المفردات اللغوية:
اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ باعوها، لأن «اشترى» بمعنى باع، وبمعنى ابتاع، وكل من ترك شيئا وأخذ غيره فقد اشتراه. بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن. بَغْياً مفعول لأجله ليكفروا، أي حسدا. فَباؤُ رجعوا. بِغَضَبٍ الغضب أشد من اللعن، والتنكير للتعظيم، والمعنى:
فرجعوا وانقلبوا متلبسين بالغضب.
وَيَكْفُرُونَ الواو للحال. بِما وَراءَهُ سواه أو بعده من القرآن. وَهُوَ الْحَقُّ حال. مُصَدِّقاً حال ثانية مؤكدة. فَلِمَ تَقْتُلُونَ قتلتم، والخطاب للموجودين في زمن نبيّنا بما فعل آباؤهم، لرضاهم به.
التفسير والبيان:
يعلم اليهود المعاصرون للنبي صلّى الله عليه وسلّم أنه النّبي المبشر به في التوراة: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [البقرة ٢/ ١٤٦] ولكنهم لم يؤمنوا حسدا وبغيا، فعقب الله على موقفهم بذمهم ذما شديدا، باختيارهم الكفر على الإيمان، وبذل أنفسهم فيه، وكأنهم فقدوها كما يفقد البائع المبيع، وكانت علة كفرهم محض العناد الذي هو نتيجة الحسد، وخوف ضياع الزعامة والمال من أيديهم، وكراهة أن ينزل الله الوحي من فضله على من يختاره من عباده، فأصبحت عاقبتهم أنهم قد رجعوا بغضب من الله جديد لكفرهم بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، بعد كفرهم بموسى عليه السّلام وبمن جاء بعده من الأنبياء. ولهم بسبب كفرهم عذاب يصحبه إهانة وإذلال في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلهم الخزي وسوء الحال، وأما في الآخرة فلهم الخلود في نار جهنم.
وإذا
قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه ليهود المدينة: آمنوا بالقرآن الذي أنزله الله، قالوا: إنما نؤمن بالذي أنزل علينا في التوراة، ونكفر بما سواه وهو القرآن الذي جاء مصدقا لها، وهو الحق الذي لا شك فيه.
فيرد الله عليهم: إن القرآن هو الحق من عند الله المصدق للتوراة التي معكم، وكلاهما من عند الله، فكيف
تكفرون ببعض الكتب وتؤمنون ببعضها؟ بل إنكم لم تؤمنوا بالتوراة التي فيها تحريم القتل، وقد قتلتم الأنبياء بغير حق، فلم قتلتموهم إن كنتم بالتوراة مؤمنين؟! وقد نسب القتل إلى معاصري النّبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنهم كانوا راضين بفعل أسلافهم الغابرين، فأقروهم على القتل وغيره، ولم يعدوه مخالفة أو معصية، وفاعل الكفر ومجيزه سواء، وطبع السوء ينتقل في الذرية، وهم متضامنون متكافلون، مصرون على إقرار أفعال السلف. فإن لم يوجد إقرار أو رضا، فلا إثم على الأبناء، لأن كل نفس مسئولة عن حالها، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
فقه الحياة أو الأحكام:
ليس من العقل السليم، بل ولا من المصلحة الحقيقية للإنسان أن يؤثر الفاني على الباقي، والشيء التافه الرخيص على الغالي الثمين، لأن دوام الخير وبقاء النعمة أصون للمنفعة، وأكرم للنفس، لذا ندد القرآن بأفعال اليهود، مقررا: بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم، حيث استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالإيمان.
وإذ لم يؤمن اليهود إيمانا كاملا بالتوراة التي أنزلها الله على نبيهم موسى عليه السّلام، فلا أمل في إيمانهم بالقرآن.
وإن استمرارهم في طريق الكفر قديما وحديثا، بعبادتهم العجل، وإعنات موسى وكفرهم به، وتكذيبهم محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وكفرهم بالقرآن، يبوئهم العذاب المهين: وهو ما اقتضى الخلود الدائم في نار جهنم. أما تعذيب عصاة المؤمنين في النار فهو مؤقت، وتمحيص لهم وتطهير، كما يطهر المذنب في الدنيا بالعقاب، مثل رجم الزاني وقطع يد السارق.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي