(يَسْتَفْتِحُونَ): يستنصرون (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) قبل أن يُبعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، يقولون: اللهم انصرنا بحق نبيك الذي تبعثه، فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به، فلعنة اللَّه على الكافرين.
وقوله: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ (٩٠)
يقول: اشتروا ما به هلاكهم بما به نجاتهم.
وذلك أَنهم كانوا آمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فكان إيمانُهم به نجاتَهم في الآخرة، فكفروا به، وذلك هلاكُهم، وباللَّه التوفيق.
وقيل (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ): باعوا به أَنفسهم بعرض يسير من الدنيا، بعذاب في الآخرة أَبدًا.
وقوله: (بَغْيًا).
قيل: حسدًا منهم؛ وذلك أَنهم قد هَووا أن يُبعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من أَولاد إسرائيل؛ لأَنهم كانوا أُمتَه، فلما بُعث من أَولاد إسماعيل - عليه السلام - والعربُ كانت من أَولاده كفروا به، وكتموا نعته حسدًا منهم.
وقوله: (أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
يعني: النبوة والكتاب على مُحَمَّد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقيل: (بَغْيًا) أَي: ظلمًا، ظلموا أَنفسهم بكفرهم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتكذيبهم إياه.
وقوله: (فَبَاءُوا).
قد ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ).
يحتمل وجهين:
قيل: استوجبوا الغضب من اللَّه؛ بكفرهم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، على أَثر غضب؛ بكفرهم بعيسى، وبما جاء به.
وقيل: إنما استحقوا اللعنةَ على أثر اللعنةِ؛ بعصيانٍ بعد عصيانٍ، وبذنب على أَثر الذنب. واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ (٩١)
على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من القرآن.
مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
وقوله: (قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا).
يعني التوراة، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها لكان في الإيمان بها إيمان بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبما أُنزل عليه، وإيمان بجميع الأَنبياءِ - عليهم السلام - والرسل، وبجميع ما أُنزل عليهم؛ لأَن فيها الأَمرَ بالإيمان بجميع الرسل وبكتبهم؛ لأَنه قال: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)، وموافقًا له.
فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب، وبعضها موافق لبعض.
وقوله: (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ).
قيل: وراءَ التوراة كفروا بالإنجيل والفرقان؛ كأَنه قال: كفروا بالذي وراءَه وهو الحق؛ إذ هما موافقان لما معهم، غير مخالف له.
ويحتمل: (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ) يعني: وراء موسى بعيسى وبمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ كأَنه قال: من ورائه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
فإن قالوا: إنا لم نقتل الأَنبياءَ، ونحن مؤمنون.
قيل لهم: إنكم -وإن لم تتولوا القتلَ- فقد رَضيتُم بصنيع أُولئك، واتبعتم لهم، مع ما قد هَمُّوا بقتل مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مرارًا؛ ولذلك أُضيف إليهم.
وقيل: أَخبر - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - غاية سفههم، وعتوهم، ومكابرتهم في تكذيبه.
وذلك: أَن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دعا اليهود إلى الإيمان به، وبما أُنزل عليه. فقالوا: ائتنا بالآيات والقربان، كما كانت الأَنبياء -من قبل- يأتون بها قومهم.
يقول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ: قد كانت الأَنبياء من قبل تجيء -بما تقولون- إلى آبائكم؛ من الآيات والقربان، فكانوا يقتلُونهم.
فيقول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أَنْ قل لهم: لم تقتلون؟
يقول: لم قتل آباؤكم أَنبياء اللَّه قَبلَ مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقد جاءُوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأَن اللَّه عهد إليكم في التوراة: ألا تؤمنوا لرسول حتى يأْتيكم بقربان تأكله النار، وقد جاءُوا به. فَلِم قتلوهم؟!
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم